(أ) قاعدة: حكم الإمام يرفع الخلاف: وهذه القاعدة نص عليها القرافي ( [38] ) ، وقال:"لو لم يرفع الإمام الخلاف لما استقرت الاحكام، ولبقيت الخصومات، وذلك يوجب التشاجر والتنازع وانتشار الفساد، وهذه تنافي الحكمة التي لأجلها نصب الحكام" ( [39] ) .
فمن إيجابيات الخلاف السابق هذه القاعدة التي حسمت كثيرًا من المسائل الخلافية التي يختار فيها الحاكم قولًا يكون ملزمًا للجميع خاصة في الخلاف السابق ذكره.
(ب) قاعدة: الخروج من الخلاف مستحب: ذكرها السيوطي ( [40] ) ، قال العلماء:"إن أفضلية الخروج من الخلاف ليست بثبوت سنة خاصة فيه، بل لعموم الاحتياط للدين، وهو مطلوب شرعًا مطلقًا، فكان القول بأن الخروج من الخلاف أفضل ثابت من جهة العموم واعتماده من الورع المطلوب شرعا" ( [41] ) .
فكلما وجد العالم سبيلًا للخروج من الخلاف كان أفضل من التوسع فيه، كاجتناب استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة مع وجود الساتر خروجًا من القول بالجواز والعدم.
(ج) قاعدة: لا ينكر المختلف فيه: وهي قاعدة جليلة ذكرها عدد من العلماء ونصوا عليها، وذلك رفعًا للخلاف من بين علماء الأمة، وقد أثرت هذه القاعدة في تضييق دائرة الشقة، وضبطت أعظم أمر يمكن أن يقع الخلاف بسببه وهو إنكار المنكر.
(د) كل القواعد السابقة تم فيها تحديد الخلاف وذكر شروط مراعاته لئلا يفتح الباب على مصراعيه يقول السيوطي:"ولمراعاة الخلاف شروط، أحدها: ألا يوقع مراعاته في خلاف آخر، ومن ثم كان فصل الوتر أفضل من وصله ولم يراع خلاف أبي حنيفة لأن من العلماء أصلًا من يجيز الوصل، الثاني: ألا يخالف سنة ثابتة وهو واضح، الثالث: أن يقوى مدركه بحيث لا يُعدُّ هفوة، ومن ثم كان الصوم في السفر أفضل لمن قوي عليه" ( [42] ) .
(هـ) قاعدة ( التصويب والتخطئة) هذه القاعدة في الخلاف كانت ضابطة ومقيدة وأثرت كثيرًا على العاملين في الدعوة إلى الله تعالى، إيجابًا وسلبًا، إيجابًا لمن فهمها وسلبًا على من جهلها.
يقول ابن تيمية:"ينقسم الخلاف في الأصل إلى قسمين:"
الأول: اختلاف تنوع وهو على وجوه:
(أ) ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقًا مشروعًا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة حتي زجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (( كلاكما محسن ) ) ( [43] ) ، وكالاختلاف في وجوه الآذان والإقامة.
(ب) ومنه ما يكون كل من القولين هو معنى القول الآخر لكن العبارتين مختلفتان، كاختلاف الناس في ألفاظ الحدود وصيغ الأدلة، ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى.
(ج) منه ما يكون المعنيان غيرين لكن لا يتنافيان فهذا صحيح وهذا صحيح كما في حديث بني قريظة المذكور آنفًا.
(د) ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان، ولرجل أو قوم قد سلكوا هذه الطريق، وآخرون قد سلكوا الأخري وكلاهما حسن في الدين، ثم الجهل أو الظلم يحمل على ذم أحدهما.
الثاني: اختلاف التضاد فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول وإما في الفروع" ( [44] ) ."
وبعد التقسيم قال ابن تيمية:"القسم الذي أسميناه اختلاف التنوع كل واحد من المختلفين مصيب بلا تردد، ولكن الذم الواقع على من بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد الطائفتين إذا لم يحصل بغي، قال تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله) ( [45] ) ، وكانوا قد اختلفوا في قطع الأشجار فقطع قوم وترك آخرون، أما اختلاف التضاد فالمصيب واحد ومن قال من العلماء: كل مجتهد مصيب فعنده هو من اختلاف التنوع" ( [46] ) .
وقد أثرت هذه المسألة وسابقتها على العاملين ما يلي:
(1) ظهور التيارات الإسلامية العلمية التي كان لها الأثر القوي على المجتمعات كما في الجزائر والسودان.
(2) حصول التعاون المثمر بعض الشئ بين الجماعات الإسلامية والذي ظهر في شكل برامج مشتركة كما في السعودية فترة من الزمن وباكستان وغيرها.
(3) إثراء الساحة الفكرية والعلمية والتصدي للأفكار الهدامة والآراء المنحرفة كوحدة الأديان وجبهة المؤمنين والحزب الإبراهيمي وغيرها.
(4) دعم حركات الجهاد المعاصرة وتأييدها والدعوة لها بالنصر والتمكين، كما في الفلبين والشيشان والبوسنة وأفغانستان وغيرها.
إلي غير ذلك من الثمار الطيبة والتي نرجو أن تزداد وتزدهر.
ثانيًا: آثار سلبية:
كما أن لللاختلاف آثارًا إيجابية لكن آثاره السلبية أعظم وأكبر كما هو مشاهد في ساحات العمل الدعوي وبين الدعاة إلى الله تعالى، حتى أصبحوا أيدي سبأ، وذهبت ريحهم وتفرقت كلمتهم وتنازعوا في أمرهم وضعفت شوكتهم وصاروا كما قال الله تعالى: (كل حزب بما لديهم فرحون) ، والله المستعان.
ومن أعظم هذه الآثار ما يلي: