فهرس الكتاب

الصفحة 3222 من 27345

(1) الاحتجاج بالخلاف ذريعة في محل الاختلاف: فكثير من الناس يجعل الخلاف ذريعة لتضييع الحق بقوله: هذه مسألة خلافية، وأحيانًا الاستدلال بالقواعد السابقة بغير ضابط كقاعدة (الخروج من الخلاف مستحب) ، وغيرها فيكون الخلاف حجة عند كثير من العاملين في حقل الدعوة، وخطر هذا القول يظهر في عدة أمور:

(أ) الزهد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم اتباع الدليل في محل الخلاف، مما يجعل العمل الدعوي يقوم بعيدًا عن مصدر الهداية المبارك.

(ب) تمييع الأحكام الشرعية الذي ينعكس على الفكر الإسلامي.

(ج) ضياع الحق مع هذه المقولة سواء في العبادات أو المعاملات والخطر الأكبر وصلت إلى الأصول التي لا تقبل خلافًا ولا تحتمله.

(د) البحث عن شواذ المسائل وشواردها لتبرير الأخطاء.

(2) التعصب الذي حدث في بعض المذاهب الفقهية أثر سلبًا على بعض اجتهادات العاملين في الدعوة، كل عامل يرجو من طلابه التعصب لرأيه وأن يكون قوله هو الفضل وهو الآمر الناهي، مما جعل بعض الناس يدعي العصمة لهم كما أورث التعصب الجماعي والحزبي، وجدير بالتعصب أن يكون للحق لا للاشخاص و التنظيمات؛ فلو كان كذلك لرأيت التعاون والتكاليف والتآلف بين العاملين بمختلف أحزابهم وتنظيماتهم.

قال الغزالي:"إن طالب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه ويري رفيقة معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرفه الخطأ أو أظهر له الحق" ( [47] ) .

وقال الشافعي:"ما ناظرت أحدًا قط فأحببت أن يخطئ" ( [48] ) .

وقال:"ما كلمت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وما كلمت أحدًا قط إلا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه" ( [49] ) .

قال الشنقيطي:"إننا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله؛ لأن كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلامه صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيرًا" ( [50] ) .

قال الصويان:"قد كان التعصب في التاريخ الإسلامي يتلبس بلباس المذهبية الفقهية، فأصبح في عصرنا الحاضر يتلبس بلباس الحزبية، التي درج عليها بعض العاملين في الإسلام وهي معول هدم يقتل الإبداع ويعطل عقل الإنسان" ( [51] ) .

والخطر في التعصب أنه يدفع الحق إن جاء من عند غيره، ذكروا أن رجلًا استدل عليه خصمه بدلالة صحيحة فكان جوابه أن هذه دلالة فاسدة ووجه فسادها أن شيخي لم يذكرها وما لم يذكرها الشيخ لا خير فيه ( [52] ) .

(3) من الآثار السلبية ـــ لاختلاف الفقهاء على العاملين في الدعوة، وهو متفرع عن سابقه ــ ظهور الغلو والتنطع ومحاوزة الحد في العبادة، بل قد يصل بعضهم إلى درجة يخرج إخوانه من الملة والعياذ بالله وبالتالي يهدر دمه.

وقد نهت الشريعة عن الغلو قال تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم) ( [53] ) .

وقال صلى الله عليه وسلم: (( هلك المتنطعون ) ) ( [54] ) .

وظهور الغلو يدل على غياب الميزان الشرعي، فالذي يحمل الناس على العزائم في مقام الرخص لا يعرف قيمة الشرع، والذي يزيد على ما أمر به الشرع جاهل بمقاصده، غير ملتزم بتشريعه والأصل في العبادات التوقف.

(4) ومن آثار الاختلاف ظهور الفهم العقلاني المحض، وذلك بتقديم المعقول على المنقول.

قال الشهرستاني:"إن أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس لعنة الله، مصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص واختياره الهوى في معارضة الأمر واستكباره بالمادة التي خلق منها وانشعبت من هذه الشبهة سبع شُعَب وسارت في الخليقة وسرت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدع وضلالة" ( [55] ) .

فالفكر العقلاني لا يدعو إلى فهم النصوص عند الاستدلال بها، وإنما يدعو إلى إعمال العقل في مقام النص، فتضيع النصوص ويتعبد الناس بالعقول ولا شك أنه الضياع والهلاك. وكما هو مقرر عند العلماء العقل الصحيح لا يعارض النقل الصريح لذلك يقول الله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ( [56] ) .

فإذا صادم عقلك نصًا صريحًا فاتهم عقلك ولا تتهم النص و لا تبطله.

قال سهل بن حنيف:"يا أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم ـ لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته" ( [57] ) .

بل وانتشرت مقولة (هذا نصي) (هذا حرفي) مما غيَّب عن الناس الفهم الصحيح وعمَّق الخلاف وسببه المباشر الذي يستند إليه هو الخلاف السابق.

(5) الانشقاقات في صفوف الجماعات، فالاختلاف في الآراء بدلًا من أن يكون مجالًا خصبًا، وللتناصح وردِّ المتنازع فيه إلى الشرع أصبح سببًا في الانشقاقات، وتكونت بسببه خلايا سرطانية تخرج منها في كل يوم مجموعة تسمى نفسها اسمًا جديدًا حاملة معها حججًا وبراهين تدافع بها عن خروجها، وبعد فترة هي نفسها تفر من التشبيه وتقع في التعطيل وتنقسم على نفسها وهكذا.

المطلب الخامس: أسباب عمق الخلاف بين العاملين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت