فهرس الكتاب

الصفحة 26800 من 27345

عندما ظهرت الاشتراكية وقعت هذه الخُطا الشيطانية حتى صرنا ننادي"بالاشتراكية الإسلامية". وكذلك مع الديمقراطية ! أُلّفت كتب تقول إنها إسلامية، ودعوا إلى"الديمقراطية الإسلامية"، دون أن يجدوا شعاراتها المزخرفة مطبقة في ديار أصحابها ولا في ديار تابعهيم. أين الديمقراطية ؟! لقد تكّشفت في أحداث واقعية وتبيّن أنها أشدّ أنواع الديكتاتوريات: إما أن تقبل ما أفرضه عليك، وإما أنت عدوٌّ ستُقْتل وتُسْتَباح ديارك وأموالك وأعراضك ! إنك إرهابيّ !

وجاءت العَلْمانية Secularism، والعِلْمانيّة Scientism، فنشط بعض المسلمين ليجعلوا منها"علمانية إسلامية". وكأننا كلما جاء من الغرب فكر ومصطلح هرعنا إليه لنضع على المصطلح طلاء إسلامياً يُخْفي سوءاته. ولكن السوءاتِ تظل تتكشَّف مهما وضعت من طلاء !

وجاءت"الحداثة"كذلك، فمرت بنفس مراحل خطوات الشيطان، حتى أصبح من بين المسلمين دعاةٌ صريحون يدعون إلى حداثة الغرب . كنتُ في أحد البلاد العربية أتحاور مع داعية مسلم يقول: ما رأيك، حتى نحارب الحداثة نأخذ بعض أفكارها ومصطلحها ونتألفهم بذلك على الإسلام ! فقلت له: أخشى أن تصبحوا أنتم حداثيين، والحداثيون يُصرُّون على حداثتهم ويرفضون إسلامكم، لتبنِّيكم شعاراتهم وأفكارهم ! ومصطلحاتهم.

وفي لقاء مع دعاة إسلاميين أخذوا يهاجمون شعر الأستاذ عمر بهاء الأميري وآخرين، ولما سألتهم من الشاعر الذي يعجبهم ! قالوا: محمود درويش! فقلت أهذا الذي يقول:"… وفي سنة 1961م دخلتُ الحزب الشيوعي، فتحدّدت معالم طريقي"وينسى الذين يتغنّون بشعره قوله:"نامي فعين الله نائمة وأسرار الشحارير"!

في مواقف كثيرة رأينا كيف أن بعض المسلمين استُدْرِجوا خطوةً خطوةً حتى أصبحوا دعاة للاشتراكية والديمقراطية والعلمانية والحداثة. ولقد بلغ الأمر أحياناً إلى عدم استحسان نقد الحداثيين أو فكرهم أو مصطلحهم، وإلى أن أصبح بين أيدي الحداثيين والعلمانيين إعلام واسع.

وبين يدي مقالة أخي د. وليد قصّاب في مجلة الحرس الوطني العدد (262) السنة الخامسة والعشرون. صفر 1425هـ ـ أبريل نيسان 2004م، بعنوان:"الحداثة المنشودة"قضية للحوار.

آخذ على الموضوع عنوانه:"الحداثة العربيّة"، فهل القضية قضيّة قوميّةٌ وهل الميزان ميزان قومي ؟! وهل الحداثة التي يطرحها أهلها يطرحونها على أساس قومي أم على أساس عام للناس كافة ؟! وحتى نجابه هذه"الحداثة الهجينة"الموجّهة للناس كافة فعلينا أن نجعل منطلقنا وميزاننا عالميّاً لكل إنسان وشعب وأرض، ولا يوجد غير الإسلام لهذا التوجّه الإنساني العام، ليكون هو المصطلح والمفهوم والميزان. لقد منَّ الله على العرب بالإسلام ليكون هو شعار المبادئ ومصطلحها ودينها ورسالتها ونهجها. وما عرف تاريخ الإسلام في الفكر والأدب والشعر إلا الإسلام عقيدةً وديناً وشعاراً، مهما وقع من تفلّت في بعض المبادئ.

لقد ظلّ الشعراء كأبي تمام والمتنبي وغيرهما يجعلون من الإسلام تدفق عاطفتهم ومصطلحهم في أشعارهم.

ولفظة"الحداثة"نفسها تحتاج إلى وقفة لنرى مدى ضرورة استخدامها، وقد طلع بها"الحداثيون"أولاً وجعلوا منها مصطلحاً لفكر محدد عندهم، حتى اشتهروا به والتصقوا به والتصق بهم.

وعند العودة إلى الكتاب والسنة نجد أن هذا المصطلح لم يَعدْ يناسب النهج الإسلامي بعد أن بُعث محمد صلى الله عليه وسلم، واستقرَّ الإسلام ديناً للأمة كلّها.

فكلمة حَدَثَ وأحدثَ وحديث وحداثة لها معانٍ متعددة في المعاجم. ولكن من الناحية الفكرية، وحسب ما أتت به الآيات والأحاديث، غلب عليها معنى ضد القديم الثابت عليه الناس. فإن كان هذا القديم باطلاً فكلمة محدَث تدلّ على الحق الذي جاء يلغي الباطل السائد والممتدّ، كما في قوله سبحانه وتعالى:

( وما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدَث إلا كانوا عنه معرضين )

[ الشعراء: 5]

وكذلك قوله سبحانه وتعالى:

( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدَث إلا استمعوه وهم يلعبون )

[ الأنبياء: 2]

ذلك أن الذكر الذي جاءهم محدثٌ ضد القديم الذي هم عليه. والقديم الذي هم عليه باطل، والذكر المحدَثُ هو من عند الله، وهو الحق.

أما عندما استقرَّ الإسلام وأصبح دين الأمة، فقد تغير استعمال هذه اللفظة مع بقاء مدلولها أنها ضد القديم الثابت في الأمة.

وفي الحديث الذي يرويه أبو داوود والترمذي وابن ماجه يرد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( … إيَّاكم ومحدَثات الأمور فكل محدَثة بدعة وكلُّ بدعة ضلالة ) (1)

وفي كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما دخل المدينة، يأتي قوله:

( … وأنه لا يحلُّ لمؤمن أقرَّ بما جاء في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر مُحْدِثاً أو يؤويه وأنَّ من نصره أو آواه، فإنَّ عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة. ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل ) . (2)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت