ولذلك أصبحت كلمة"أحدث"و"محدث"تدل على أمر مرفوض شرعاً، غير مقبول، ولا مجال لتزيينه وزخرفته، لأنها منذ أول استعمالها هي ضد القديم. والقديم الثابت الممتد بعد أن استقرَّ الإسلام هو الإسلام. فمن أحدث فقد أتى بما يخالف الإسلام، والمحدَث: الأمر المنكر الذي يرفضه الإسلام.
وفي لسان العرب:
الحديث: نقيض القديم.
محدَثات الأمور: ما ابتدعه أهل الأهواء من الأشياء التي كان السلف الصالح على غيرها.
المحدثة: ما لم يكن معروفاً في كتاب ولا سنة ولا إجماع.
يتضح من ذلك أن لفظة الحداثة اليوم، كما أتى بها أهل الحداثة العلمانيون، تعني ما خالف الكتاب والسنة. وما أتى به أهل الأهواء، وما لم يكن عليه السلف الصالح من الأمة.
وإني أخشى أن يكون في مصطلح"الحداثة الراشدة"بعض التناقض على ضوء ما أسلفنا. فأنَّى تكون الحداثة راشدة بعد أن استقرَّ الإسلام، وحملت من المعاني ما يخالف الإسلام، وقد استخدمت الأمة المسلمة كلمة الراشدة مقترنة بالخلافة الإسلامية والخلفاء الراشدين. فلا يليق بنا أن نلصق هذه اللفظة الكريمة بلفظة عليها خلاف وقد التصقت بها الفتنة والانحراف.
وأن استخدام هذا المصطلح في أحسن حالاته هو شِعارٌ خالٍ من النهج لدينا، وأما شعار"الحداثة الهجينة"فقد ملأ الدنيا ممارسة وتطبيقاً وإعلاماً. وهو يحمل النهج الخبيث. ولكنه نهج ظهر في الواقع. فكيف نقابل النهج بشعار، ونهجنا هو الإسلام.
ولقد أورد الكاتب في كلمته أقوال عدد من الكتَّاب , وقد استخدمت لفظة"الحداثة"عندهم بصورة متباينة بين هذا وذاك. فمن قائل:"إن الحداثة ضد التكلس والجمود"، فمن أين أتى هذا المعنى ومن أي معجم ؟! إلا إذا أردنا أن نطرح المعاجم واستخدامات الكتاب والسنة لها. ومن قائل:"إن الحداثة تعني المعاصرة". ومن قائل:"إنها لا تطال الثوابت في هذه الأمة"وقد طالتها من أول هذه الكلمة حيث تجاوزت ما حدّده الرسول صلى الله عليه وسلم من معانٍ لكلمة"الحداثة، وأحدث، ومحدَث"على صورة رسالة ربانية محددة المفهوم والمصطلح.
ويقول الدكتور وليد حفظه الله: الحداثة في هذا الخطاب لا تلغي الآخر، ولا تتنكّر له … الخ وأقول من هو الآخر الذي يجب أن لا نلغيه ؟! ولعله الغرب العلماني ؟! إن هذا الآخر هو الذي ألغانا وتنكَّر واعتدى وأفسد.
ويقول د. قصاب: بل هي منفتحة عليه مقتبسة منه ….! وكنت أتمنى أن يحصر ذلك في العلوم والصناعة وما شابهها. ففي الفكر والأدب نحن الأغنى، ونحن الذين يجب أن نقدّم لهم رسالتنا. من الخطأ أن يكون موقفنا موقف الآخذ المقتبس الحذر فقط، الذي ليس لديه شيء يُعْطيه. نحن أُمِرْنا بالكتاب والسنّة أن نبلّغ رسالة الله، وبذلك فقط نكون خير أمة أخرجت للناس. قبل أن نفكر ماذا نأخذ، علينا أن نفكر ماذا يجب أن نعطي !
وكلام أحمد عبد المعطي حجازي يدور وينطلق من نظرة إقليمية قومية، لم يخطر بباله أن الإسلام له موقف ورأي. وأما الإقليمية فما هو مستندها لتحدد موقفاً عالمياً يصغي له الآخرون. مضت قرون ونحن نصرخ من منطلق إقليمي وقومي، فما أصغوا لنا إلا أن يزيدوا تفتت الأمة المسلمة التي كادت تَنْسى رسالتها.
والقول بأن هذه الحداثة لا تتنافى مع الأصالة، قول يحتاج إلى مراجعة، فحسب ما أوضحت قبل قليل فإن الحداثة، بعد أن استقرَّ الإسلام، أصبحت بنصِّ حديث رسول الله عليه وسلم مخالفة للإسلام. ومن يقول:"إن الحداثة كما تأكَّد عبر التاريخ لا تقوم إلا على الأصالة"، كلام يحتاج إلى مراجعة. فمنذ متى عُرفت الحداثة في التاريخ حتى نستشهد به على الأصالة، ومن الذي استخدمها، وما هو رأي الإسلام فيها مصطلحاً وفكراً، وما هو تاريخها ؟! الذين استخدموا الحداثة في التاريخ تنكروا لكل أصالة كانت عند قومهم.
ومن قائل:"في تراثنا أشياء إيجابية يجب أن نحافظ عليها..الخ"الموقف لا يقف عند كلمة"التراث"، والذي لدينا أعظم من لفظة تراث ! إنه دين وذكر من عند الله، أعظم من كل شيء، إليه يجب أن تُرّدَّ قضايانا كلّها صغيرها وكبيرها. إن تراثنا قائم على الدين لا تستطيع"الحداثة"بأيّ مفهوم لها أن تتعرَّض له. فالمؤمنون الذين عرفوا دينهم والتزموه هم وحدهم يدرسون التراث بردّه إلى منهاج الله، وليس إلى الحداثة.
إننا نفهم من كلمة"تُراثنا"ما يرتبط بالدين، ولا ننظر فيما كان خارجاً عن الدين في وقته. تراثنا ديننا الكتاب والسنة واللغة العربية وما يرتبط بذلك من نشاط حق. فالقول بأن في تراثنا أشياء إيجابية هو تهوين لشأن هذا الكنز العظيم الذي منَّ الله به علينا.