والقول: إن تراثنا الأدبي وتراث الأمم الأخرى عرف مجددين عظاماً، أحدثوا وطوّروا …! إن الربط بين تراثنا وتراث الأمم الأخرى خطوة"حداثية"فتُراثنا هو كما بيّنت أعلاه، أما تراث غيرنا فكله نابع من الوثنيّة اليونانية والرومانية وما أسموه علم اللاهوت ثم المذاهب التي لا تكاد تحصر في الفكر والأدب، من هيجل وكانت وماركس وأنجلز والعشرات من أمثالهم. وكذلك استخدام كلمة أحدثوا"خطوة حداثية أخرى، مخالفة لنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي عرضناه قبل قليل. فكلمة"أحدث"أصبح معناها في نصِّ الأحاديث، وفي جميع المعاجم: جاء بما يخالف الإسلام والكتاب والسنة."
لقد اختلطت الاصطلاحات اختلاطاً عجيباً بين الحداثة والأصالة والنافع والضار. بأسلوب عائمٍ لا يحدد ميزاناً ولا منهجاً، ومهما حاولنا أن نضع"للحداثة الراشدة"منهجاً أو ميزاناً فلن نفلح، وسنجد أنفسنا عدنا إلى الإسلام كله. فالإسلام وحده يغنينا عن هذه المصطلحات، فهو الذي يرسم الفكر والأدب والكلمة كلّها.
ويقول الدكتور اليافي: أنا مع التطور والتجديد والحداثة الشعرية إلى آخر المدى شريطة أن يتمَّ ذلك ضمن خصوصيتي القومية وتراثي الثقافي ولغتي العربية"، أشعر بذلك اختلاط المصطلحات وتناقض التعبير. فالدكتور اليافي حصر القضية كلّها في خصوصيته القومية، حيث لا نجد أي ذكر للإسلام، مجرَّد ذكر ! إصرار على القومية والخصوصية بصورة متكررة. ثم يطرح ألفاظاً عائمة: تراثي الثقافي ! ما هو وما حدوده ؟ وما علاقته بالأمة ؟! التطور والتجديد، والحداثة الشعرية، إلى آخر المدى ! انفلات لم يعد يجد له ضابطاً ! إنها خطوة حداثيّة من خطوات الحداثة الهجينة، ولا يمكن أن تمثّل بهذا التناقض والانفلات أيَّ خطوة راشدة."
وهل الحداثة الراشدة"التي يدور حولها المقال خاصة بالأدب، أم بالفكر، أم الدين كله، أم العلوم، أم الصناعة ؟! ما هو مداها ودائرتها ؟! فإن كانت في مجال الأدب فحسَبَ ما ورد في المقال، فقد فتحنا الباب كلّه للحداثة الهجينة بعد أن قبلنا حداثة الشعر إلى أبعد مدى ! وفتحنا الباب لنأخذ عن الغرب ونقتبس من أدب له تاريخ وتطور ونظريّة وارتباط مختلف كل الاختلاف عن أدبنا وتاريخه ونظريته. إن الأدب الغربي كان منطلقه الوثنية، مشتتاً بين لغات متعددة، ومصالح متضاربة، وأدبنا نشأ في حضن الإيمان والتوحيد واللغة العربية ، ومضى أكثر من ألف وخمسمائة من السنين محافظاً على لغة واحدة لم تمسّها الحداثة، وعلى رابطة ربَّانيّة إيمانيّة، ظلَّت في أسوأ الظروف تطلق دفقتها الغنيّة!"
اختلطت مصطلحات: الحداثة، والقومية، والإنسانية، والأصالة، والنمو، والتطور، والتجديد، وغيرها اختلاطاً عائماً لم يعد لأيٍّ منها مفهومٌ محدّدٌ قابلٌ للتطبيق، ولا منهجٌ جليٌّ يُحْكَمَ له أو عليه. إنها كلها شعارات يتيه الإنسان بينها. نحن لسنا بحاجة إلى مصطلح الحداثة، ففيه شبهة واضطراب واختلاط ولغتنا غنيّة بالمصطلحات، لنجد المصطلح المناسب بعد أن نضع نهجاً نريد أن نتبعه دون تصورات عائمة. نضع النهج ثم نضع له المصطلح، وليس العكس.
فبالنسبة للأدب ظهر مصطلح الأدب الإسلامي الذي يشقُّ طريقاً منهجيّاً، يغنينا عن مصطلح الحداثة في الأدب، وإلا فليلْغَ مصطلح الأدب الإسلامي، أو الأدب الملتزم بالإسلام ! ولتتوقّف رابطة الأدب الإسلامي عن عملها، وتتولى الحداثة لتضع لها نهجاً وتتولى الأمر.
لفظة الحداثة، لم تعد تعني التطور والنمو، ولا الرشاد والوعي، ولا التجديد. ونحن لسنا بحاجة لها وقد أغنانا الله عنها ومنَّ علينا بخير منها. والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة: إذا كنا بحاجة إلى حداثة راشدة تنطلق من أصالتنا، من ذاتنا، من حاجتنا، فلماذا لم نفكّر بها إلا بعد ما ظهرت الحداثة الهجينة، كما سبق أن ظهرت الاشتراكية الهجينة، والديمقراطية الهجينة، فما أفلح الطلاء الإسلامي، وظلّت سوءاتها غير مستورة. وكذلك الحداثة، لا أظنُّ أن الأصباغ ستفلح معها.
الإسلام هو الذي يعطي الآخر حقوقه ويعدل معه، وليست الحداثة. الإسلام هو الذي يبيّن لنا ما نأخذ وما ندع، وكيف نتعامل مع الآخر، وهو الذي يدفعنا إلى أن نعطي له لا أن نقف عند الأخذ، أن ندعوه إلى الإسلام. الإسلام هو الذي يرسم لنا نهجاً ويضع مصطلحاً.
الإسلام، والكتاب والسنة، كلُّ ذلك ليس مجرّد تراث نحتاج إلى أن نعيد النظر فيه. الإسلام هو الماضي والحاضر والمستقبل، هو القديم والجديد وهو منهج حياة كاملة لكل زمان وكل مكان.
الخلاف حول ما طرحته الحداثة الهجينة وإقبال بعضهم عليه، وإدبار آخرين، وملاينة آخرين، أشغل وقتنا، وما كان إلا لأننا لم نردَّ أمورها كلّها إلى الكتاب والسنّة ردّاً أميناً صادقاً، فكان الاختلاف والتمزّق والحيرة.