فقد يؤثِر الداعية أحيانا جانب السلامة، ويبتعد عن تناول بعض القضايا والأحداث، خوفا من أن يتعرض للمساءلة، أو يصنف على تيار من التيارات، مما قد يضعه في مواجهات ومشكلات يرى أنه في غنى عنها!. وقد يسوق مبررا لذلك أراه أبشع من مسألة تجنب الحديث في هذه الأمور، وهو أن هذه الأمور لن تفيد الناس ولا تقع في نطاق اهتمامهم ولا يحبون سماعها، وكأن الداعية تحول إلى مطرب يستجدي رضا الناس وتصفيقهم بتقديم ما يستهوي أسماعهم فقط، دون النظر إلى ما يرقى بفهمهم، ويُعلي من تفكيرهم، ويزيد من ثقافتهم، ويدفعهم للعمل الإيجابي.
4-الحياء المذموم:
وهو من الأسباب التي تحول بين الدعاة وتناول بعض القضايا الحياتية للناس، حيث يقف البعض منهم حائرا مترددا في تناول بعض القضايا الحساسة وينتهي الحال بكثيرين منهم إلى إيثار الصمت حيال هذه المسائل، مما يعطي الفرصة لغيرهم ممن ليسوا مُؤهلين لتناول هذه القضايا، أو ممن يبطنون النوايا السيئة، ليخوضوا غمار هذه المسائل، مستغلين فرصة سكوت علماء الدين والدعاة عنها.
إن السبب الذي أدى إلى نشوء تلك العُقدة لدينا، هو سيطرة بعض التقاليد والمفاهيم الدخيلة، التي تضفي هالة من التعتيم على بعض المسائل، بدعوى"العيب"، ويعتنق الآباء والأمهات والمربون ذلك، بل الدعاة، ناسين أو متناسين أن هناك مصادر أخرى للمعرفة يستطيع الشاب أو الفتاة - أو حتى الطفل - أن يعرف منها ما يريد، من جماعة الرفاق ووسائل إعلام وغيرها، ولكنها - في معظمها - مصادر غير مأمونة، فيتولد عند الشباب خليط من الأفكار والمعلومات والأحكام المشوشة، وغير الدقيقة، فيقعون فريسة لأصحاب النوايا السيئة ومُدعي العلم، والذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.
ونحن نرى - للأسف وبسبب إعراض الدعاة عن هذه المسائل - أن هناك من العابثين من يتعرض لها بوسائل مختلفة ويسير دفة الحوار والنقاش في اتجاه لا يُبين وجه الحقيقة ولا يقدم النفع، بقدر ما يشجع على الانحلال والتسيب، بما يخدم أهدافهم، مستخدمين أدواتهم بمنتهى الابتذال والإسفاف، لاعبين على الوتر الحساس لدى الشباب، ولا يجد الشباب متنفسا أمامه إلا أمثال هؤلاء ليأخذ عنهم، ويعتقد ما يقولونه.
علاج المشكلة
إن علاج أية مشكلة يتمثل - ببساطة - في تلافي أسبابها، وتوفير الوسائل التي تساعد على تخطي العقبات في طريق الحل، ومن أبرز الحلول التي أقترحها لهذه المشكلة:
1-التربية الإيمانية:
وأقصد بها العمل - ذاتيا وجماعيا - على رفع إيمانيات الداعية وتقوية صلته بالله، وتذكيره بعظمة الدور الذي يقوم به، وقدسية الرسالة التي يحملها، والثواب الجزيل الذي ينتظره في الآخرة، وما يستحقه ذلك كله من تحمل للتبعات والمسئوليات المترتبة عليه، والابتلاءات التي قد تعترض طريقه، ووجوب تحملها واحتساب ما يلقاه من عنت ومشقة عند الله عز وجل، وضرورة ألا تمنعه تلك الابتلاءات وتوقع حدوثها من المضي قدما في طريق دعوته بحماسة راشدة وعمل متبصر.
2-إدراك الواقع وفهمه ومعايشته:
ما أحوج الداعية لمعرفة واقعه وفهمه ومعايشته؛ فالداعية لا ينجح في دعوته ما لم يعرف مَن يدعوهم، ويعرف كيف يدعوهم، وماذا يقدم معهم وماذا يؤخر، ولهذا حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن قال له:"إِنكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَولَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحدُوا اللهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَن اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلوا فَأَخْبِرْهُمْ أَن اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاة فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيهِمْ فَتُرَد عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَروا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَق كَرَائِمَ أَمْوَالِ الناسِ" (رواه البخاري) .
نلاحظ أنه صلى الله عليه وسلم أخبر معاذا بطبيعة القوم الذين سيذهب لدعوتهم، وأنهم أهل كتاب؛ إذ لو كانوا مجوسا أو ملاحدة - على سبيل المثال - لكان عليه أن يدعوهم بطريقة أخرى.
لهذا من الضروري أن يدرس الداعية البيئة التي يعيش فيها قبل أن يتوجه إليها بالدعوة، عليه أن يعرف أوضاعها وتقاليدها، ويتعمق في فهم مشكلاتها ونفسيات أهلها وما يؤثر فيها.
والداعية ذو العقل اليقظ يستطيع أن يأخذ مددا جديدا من كل ما حوله من وقائع الحياة اليومية، ويمكنه أن يعد لذلك سِجلا أو أرشيفا، يُدون فيه ما يهمه من مشاهداته وما يسمعه من وقائع وأخبار، ويصنفها ويضعها عند الحاجة في مكانها.