و"الثقافة"بمعناها العميق هي التي تحمي صاحبها من التخبط في تيارات الضلال، والتيه في مهاوي الفكر، بل تجعله قادرا على مواجهة هذه التيارات وخوض غمارها والتأثير فيها دون أن يتأثر، فالرمح المثقف عند العرب هو الرمح الذي استوت جنباته وخلت من النتوءات والتشوهات، فحينما تُرمَى به الفريسة فإنه يؤثر فيها، ولكنه لا يتأثر ولا يتكسر، ويخرج منها سليما كما دخل بعد أن يكون قد أدى مهمته.
3-تطوير مناهج تكوين الدعاة:
إن السعي إلى تطوير المناهج الرسمية أو الحركية ليس عيبا أو خطأ، بل العيب كل العيب والخطأ كل الخطأ الاستمرار على مناهج قاصرة بدعوى الاستقرار. لكن هذا التغيير لا بد أن يصدر عن دراسة متأنية وتفكير وتأمل من أهل الخبرة والدراية، وإلا فقد يصير مشكلة بل كارثة إذا تم بغير ذلك، أو كرد فعل عشوائي متسرع لدعاوى التطوير.
نريد مناهج تخرج دعاة واعين بما يدور حولهم، ويؤثرون في واقعهم، لا مجرد نُسَخ لكتب وصحائف عفا عليها الزمن، نريد مناهج تغير الصورة الساذجة للداعية عند الناس، وتعيد إليهم الثقة به مرجعا لهم في شتى القضايا والأحداث، يستلهمون منه الرأي والعمل.
4-تصحيح مفهوم الحياء:
وأقدم للحديث عن هذه النقطة بتساؤل: هل توجَد في ديننا وشِرعتنا مناطق مُحرمة مظلمة، ينبغي عدم السؤال عنها والحديث فيها، وإن وقع الحديث فيها، فلا يكون إلا همسا، وداخل الغرف المظلمة؟؟ لو كانت الإجابة بـ"نعم"، فإن هذه الإجابة تنفي عن ديننا صفة الشمول والإحاطة والصلاحية لكل زمان ومكان، وتخلع عليه صفتَي النقص والقصور.
والإجابة بـ"لا"، تفرض على علمائنا والمنتسبين لهذا الدين أن يعملوا عقولهم وأدواتهم العلمية لاستخراج أحكام شرعية مرتبطة بكل القضايا الاجتماعية، وبحث طرق مناقشتها وعرضها، وإقناع الناس بالصحيح النافع، وتحذيرهم من الخطأ الضار، مستلهمين أساليب القرآن والسنة في مناقشة تلك القضايا وعرضها.
يجب علينا دعاة أن نتحرر من العقدة التي تنتابنا عند مناقشة مختلف القضايا الموجودة بشكل جدي في واقعنا، وألا نسكت عنها بدعوى الخجل والحياء، فالحياء في ديننا له أسس ومفاهيم تحكمه.
إن هذه العقدة تنحل بمعرفة الضوابط التي ينبغي أن نتمسك بها عند التعرض لأمثال هذه القضايا الحرجة، والحدود التي ينبغي الوقوف عندها.
نعم، إن الحياء خُلق أصيل في الإسلام، بل هو الخُلُق الأول فيه، وإن الإسلام يبغض الفُحْش والتفَحش في القول وينكره، ولكن مع ذلك كله، فإن الحياء لا يكون مانعا للمسلم أبدا من أن يتعلم أمور دينه ودنياه، فقد روى البخاري أن أم سليم جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا رأت الماء". فنرى أن أم سليم قد علمت أن دينها يفرِض عليها العِلم، لذا لم تستحي من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما دعت الحاجة إليه مما تستحيي النساء في العادة من السؤال عنه وذِكْره بحضرة الرجال، وقدمت لسؤالها بقولها:"إن الله لا يستحيي من الحق"، حتى تقطع الطريق على من قد يسمع سؤالها، فيتبادر إلى ذهنه أن سؤالها هذا ينافي الحياء.
من هنا نعلم أنه يجب مناقشة جميع المسائل الحياتية، وألا نمتنع عنها حياء من ذِكْرها، فإن ذلك ليس حياء حقيقيا؛ لأن الحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلا بخير، والإمساك عن تناولها في هذه الحال ليس بخير، بل هو شر؛ لأن فيه الإقامة على الجهل وتعطيل واجبات الدين، فكيف يكون حياء؟.
ولكن مع ذلك، يجب أن يختار الداعية الكلمات والتعبيرات المناسبة، دون استطراد لا لزوم له، أو ابتذال خارج عن حدود السؤال، كما عودنا أسلوب القرآن، وأسلوب السنة المطهرة. ولقد مدحت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها نساء الأنصار.. هل تعلم لماذا؟ فلنسمعها وهي تقول:"نِعْمَ النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين"رواه مسلم. وَقَالَ مُجَاهِدٌ بن جبر، وهو من التابعين:"لا يتعلم العلم مستحيٍ ولا مستكبر".
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكَني عما يضطره الكلام إليه من أمور يُستحيَا من ذكرها، فقد سألته امرأة عن كيفية الغسل مِنَ الحيْض، فعلمها النبي صلى الله عليه وسلم كيف تغتسل، ثم قال:"خُذِي فِرْصَة - قطعة من قماش - من مسك فتطهري بها"، فقالت: كيف أتطهر؟ قال:"تطهري بها"، قالت: كيف؟ قال:"سبحان الله، تطهري"، فلما رأت السيدة عائشة أن المرأة رغم كل هذا لم تفهم، ورأت حياء النبي صلى الله عليه وسلم من التصريح بما يريد، جذبت المرأة إليها وقالت لها:"تتبعي بها أثر الدم"رواه البخاري... وغيرها وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي لا يتسع المقام لذكرها.