على أنه قد بدت تلوح في هذه الأيام - بعد إبطاء - محاولات جادة؛ لتصبح مفهوم الترويح وشغل الفراغ لدى الشباب ، وتفتّقت للجادين الناصحين حِيَلٌ كثيرة لإيجاد البديل النافع واستخراج الشباب من تلك المواطن الموبوءة، وهي تفتقر التشجيع والدعم والتأييد والحضور والمشاركة والدعاء. وهي تشي بأن لدينا الكثير والكثير من الإبداع.
نجمت هذه الإبداعات الماتعة في أروقة الجامعات وفي المراكز الصيفية، على قلة الموارد وضعف الإمكانات، احتسب فيها نخبة من الشباب والفتيات عملهم ووقتهم في سبيل الله. ولكن لا تزال بعض القلوب المريضة تتوجس من هذه المراكز خيفة، فهي تخاف أن تكون منبتة للإرهاب مرضعة للغلو .
أما هذا التوجس فلن يُذهبه عنهم دفاعنا، ولكننا ندعو أصحاب هذه القلوب المريضة الشكّاكة إلى زيارة - ولو خاطفة - لتلك المراكز، فهي لا تعمل في الخفاء، ولا تنتمي إلى منظمات سرية، ولكنها تعمل تحت إشراف الدولة ونظرها، وأبوابها مُشرعة، لا تُوصد على زائر .
لقد كان ينبغي لهؤلاء أن يتوجسوا سبعين خيفة، ولكن من تلك الأفواج المتقاطرة على الخطوط الجوية الساخنة والجسور الممتدة إلى أوكار الدعارة وحانات الخمور، فهؤلاء منهم يُخشى البلاء، وهم سفراءُ الوباء .
ونرجع إلى إبداعات أهل الخير، فإن نذكرها نذكر مخيم الشباب الذي تشرفُ عليه التوعية الإسلامية بوزارة المعارف، يقام حيث يجتمعُ الشباب لِيَرَوا أن الترويح يتأتى وهو في سعة من المنكرات والفواحش، وقد حُشد في المخيم البرامج النافعة والمسلية في براءة من أجواء الإثم والمنكر، ولم تكن لتقتصر على محاضرات وعظية، يجتمع لها الشباب في سويعة ثم ينفضُّون ولكنها امتدت لتملأ فراغ الشباب من إيراد الشمس إلى منتصف الليل لتشمل بعض الألعاب لمسلية في جوّ أخوي، وأمسيات شعرية، ومحاضرات علمية ونفسية وتربوية لتلامس هموم الشباب وآلامهم، فتلتمس لها علاجًا ناجعًا .
فجزى الله خيرًا من سنَّها، ومن دعى إليها، ومن أعان عليها، ومن شارك فيها، ومن حضرها، ومن فرح بها .
لقد علمتنا هذه البرامج الرائعة - التي جمعت بين التسلية والفائدة - أن تلك الجموع الهادرة إلى النزوات والشهوات لا يصلحها ولا يردّها عن آثامها أن نجبهها بالسخط وإلاكفهرار، ثم نتخزل عنها لتعيش عزلة شعورية عن المجتمع، فتعمه في طغيانها وتمد غلوائها وفسقها .
ولكنها بحاجة إلى أن نحوطها بقلوب وامقة مشفقة تُشعرهم - ونحن نكفكفهم عن منكر، أو ندعوهم إلى معروف - أننا بهم رُحماء، عليهم حريصون مشفقون، فلسنا نريد به عنتًا، ولا نقصد بهم شماتة، بل نرجو لهم السلامة، ونُبدي لهم المحبة والنصيحة، ونشاركهم شجوهم، وتحسس معاناتهم وآلامهم .
فهذان طريقان لا بد أن نأخذ بهما ونحن نروم تربية الناشئة وتهذيب أخلاقها:
01 المحاورة التي تزرع في قلوب الناشئة القناعة فيما تتوجه أو توجَّه إليه من الأعمال، وتستجلي للمذنب ولمن همَّ بالذنب قُبح الذنب وشؤمَه على صاحبه .
02 والدعاء لهم بالهداية حتى في تلك اللحظة التي نراهم فيها متلبسين بمعصية ... الدعاء الذي يزدهيه ويزدريه كثيرون .
فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤتى برجل قد شرب الخمر،فقال: ( اضربوه) ، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعضُ القوم: أخزاك الله . فقال - صلى الله عليه وسلم -: ( لا تعينوا عليه الشيطان) أخرجه البخاري وغيره .
قال أهل العلم: أي لا تدعوا عليه بهذا الدعاء؛ فإن الله إذا أخزاه استحوذ عليه الشيطان، فإذا سمع منكم ذلك انهمك في المعاصي وحمله اللجاجُ والغضب على الإصرار، فيصير الدعاء وصلة ومعونة في إغوائه وتسويله.
ويظل من الخطأ الذي تفرزه العقول المريضة أو الضعيفة أن تفهم مما سبق تهوينًا من أمر العقوبة والتعزيز وإقامة الحدود، فهذا نظرُ من لا قدرة لعقله أن يستوعب إلا علاجًا واحدًا، فإما عقوبة صارمة فلا شيء غيرها، وإما توعية وتبصير، لا يَخُفُّه رقابة ولا زجرٌ وتعزيز للمذنب.
أما العقول السليمة التي اتسعت مداركها وعمُق نظرُها فهي لا تشك أن الأخذ بالطريقين جميعًا يتأتى لنا لو عزمنا عليها؛ فتكتمل العملية التربوية بالتوعية وإيجاد البديل مع مراعاة تجديد الوسائل، ومع ذلك تبقى العقوبة سيفًا مصلتًا على كل مذنب، لا تناله شفاعة الشافعين، ولا منافاة الأمرين