فهرس الكتاب

الصفحة 17114 من 27345

بل علينا أن نوسع من دائرة الترويح ومفهومه؛ لنجعله يجاوز حدود اللهو واللعب، حتى نُري الشباب - بالتجربة- أن الترويح يصح أن يحمل في طواياه المعلومة المفيدة والمهارات النافعة .

لقد أكثر الشباب من أسباب الترويح وأغرقوا في وسائل الترفيه، حتى أصبح الترويحُ نفسه أمرًا مملًا يحتاج إلى ما يرفعه وطردُه، والرتابة تبعث على الملل والسآمة على أي شيء كانت.

وأحسب أن من أسباب إيغال الشباب في اللهو وإكثارهم من وسائل الترفيه إلى حد الإملال، هو أنهم لا يجدون شيئًا يُؤويهم غيرها، وإن وجدوا شيئًا من البرامج النافعة، فهي مختزلة في أمثلة محدودة معدودة، تُعرض عليهم في صورة باهتة باردة لا تقاوم إغراء الملهيات المحرًّمة، ولا تتوافر فيها وسائل التشويق، ولا يظهر فيها إبداع التجديد.

ولست أريد أن أبرئ الشباب أو أسوَّغ أخطاءهم؛ فما هم في ممارساتهم المنكرة بِبُرآء، وما هذا بالعذر الذي يبيح لهم احتقاب الآثام، بل ولا أريد أن أهوَّن من خطر منكراتهم وإهدارهم لثروة الفراغ بقدر ما أريد أن أبين عن مقدار تقصيرنا وخذلاننا لهم، وأن نستشعر أننا شركاؤهم في هذا الخلل الفادح.

من الحقائق المؤلمة حقًا أن مفهوم الترويح لدى الشباب أصبح مختزلًا في سياحة خارجية منفلتة الزمام، أو سهرٍ على طرب ولهو، وأخفُّها - وليس بالخفيف- رياضة أو لعب ختامه تباغض وشحناء، إلى غير هذه الصور مما هو قريب منها في مفسدة الأثر .

وقد تداعت الأصوات على اختلاف مشاربها ووجهاتها إلى ضرورة تنشيط السياحة الداخلية؛ مناهضة لسياحة الخارج، ومنافسة لها، واستيعابًا لفراغ الشباب.

وعلى اتفاقنا جميعًا بأن تنشيط السياحة الداخلية أصبحت ضرورة مُلحة لشغل الفراغ درءًا لما يخبَّئه من ويلات، ولصرف الناس - ولو بعضهم- عن السياحة الخارجية المنكرة - غير أنه ظهر هذا التنشيط تشوبُه مقاصد فاسدة، ومحاولات شاذجة مموجة يغلبها الاستغلال والطمع، غايتُها - فيما تزعم- منافسة السياحة الخارجية، وتوفير سُبُل جديدة للترويح يسدُّ بها الشباب فراغه ... فإذا بها تُكرَّس في العقول ذلك المفهوم الخاطئ لمعنى السياحة الترويح .

لقد أصبحت هذه المحاولات تنافس على احتواء فراغ الشباب، ولو كانت هذه المنافسة لا تخالف الشرع، لوجب أن يتسع لها ميدان المنافسة، ولساغ أن نؤثرها على ما عندنا.

غير أنها ختطّت مسارب إلى الهوى والسفاسف، واستجَّرت إليها الشباب، فلا نجدنا إلا مأمورين إلى أن نضطرها إلى أضيق الطريق، فلا يبقى لها سلطان إلا على الذين يتولونها، ويتقفَّرون مواطن المنكر عن إصرار.

لننظر ماذا قدّمت هذه المحاولات البائسة للناس بديلًا عن السياحة الخارجية ؟!

لقد قدمت لهم المهرجانات التسويقية، تتقاطر إليها الأفواجُ منخدعة بدعاياتها، فإذا بها تستنزف أموالهم في الكماليات ومقامرات المسابقات، وتغذي فيهم إدمان التسوق، وكأننا نريد أن نثبت للعالم بالواقع المشهود أننا أمة مستهلكة من الطراز الفريد .

كنا نزعم أن من مفاسد السياحة الخارجية - ولو بالنطرة الدنيوية- تصدير الأموال الطائلة، وهذا يهدد اقتصاد كل بلد ولا شك ، ولكن ألسنا نجد هذه المهرجانات التسويقية تمارس هذا الدور بالوكالة- ولو طريق مُلْفت -؟، بلى، أنها استنزاف لأموال الناس وتصدير لآلاف آلاف الأموال إلى الخارج، فهو تصدير مقنَّع ينطلي على الأغرار.

ثم نأتي إلى المهرجانات الغنائية فإذا هي مواطن يأزرُ إليها الشيطان، لهو وطرب يغذي في الشباب أوهام الحب والغرام، ويثير فيهم كوامن الغريزة، ويذكي نارها، زيادة على ما فيه من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة .

نعم، لقد شغلت هذه المهرجانات الغنائية فراع الشباب، ولكن في الحرام ومهيجاته، فكأنها تريد أن تستعجلهم إلى الحرام قبل أن يُشغل فراغهم بالحلال المفيد .

أما إن السيئ لا يدفعه السيئ، ولا الخبيث يُمحى بالخبيث. ولكن السيئ يدفعه الحسن، والخبيث يذهبه الطيب .

إنه لا يكفينا أن نحذر الناس من ارتياد هذه المواطن الآثمة - وهو بلا شك واجب-، ولكن ينبغي أن نشهر لها كل سلاح، وإظهار عوارها الفاضح وتبيين مفاسدها الظاهرة هو من جملة الأسلحة التي يجب أن نأخذ بها في محاربة تلك المظاهر الفاسدة.

بل ينبغي أن تتفجر - في سبيل مناهضتها ومحاربتها- كوامن الطاقات عن أساليب جديدة في إيجاد البديل، وليس - بالضرورة - أن يرد هذا البديلُ أولئك المتجفلين إلى تلك المواطن الآثمة كلَّهم ، ولكن حسبنا منه أن يرد بعضهم الذين لم ينجفلوا إليها لولا الفراغ الذي لا يعدوا كيف يصرفونه.

وبعد: فنحن مسؤولون عن تبعة كل هذه الممارسات الخاطئة، فما تكاثرت هذه الصور إلا على حين فترة من النشاط الدعوي والتربوي والتثقيفي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت