فهرس الكتاب

الصفحة 9653 من 27345

أما التوجه الثاني فهو مع وجاهته إلا أن الحديث عن مقاصد الشريعة وقواعدها العامة وطلب أن تصدر الفتوى أو أن يوجه الناس بناءً على هذا التصور، مهيع واسع ومظنة التخليط وعدم الدقة ، ويحتاج فيه الأمر إلى نوعية متميزة من أهل العلم المختصين الذين وهبهم الله ملكة الاستناط وحسن التصور وكثرة النظر والبحث في مقاصد الشارع، وسبر العلل، ومعرفة شروط القياس وضوابطه، مع دراية كافية بالنصوص من الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة وعلماء الأمة، وهذا ليس لأي أحدٍ أن يخوض فيه، سواء كان من طلاب العلم أو غيرهم ممن لا يحسنه وليس من أهله!! ويجب مع ذلك كله لكل فقيه أو مفت أن يضع مقاصد الشارع نصب عينيه لتضيء له الطريق، وتضبط له المسائل وتقربه من الحق والعدل، فهذه المقاصد والمصالح المعتبرة بمثابة المحكمات التي ترد إليها المتشابهات والكليات التي ترد إليها الجزئيات.

ومن هنا يعرف التوجه والنظرة الصحيحة للمسائل الفقهية في الحج وغيره، والتي تتلخص في تعظيم النصوص الشرعية وعدم عزلها عن مقاصدها العامة وفق المنهج العلمي الدقيق الذي توافر على وضعه وسبره علماء الملة الراسخين في العلم الذين أفنوا أعمارهم في طلبه من أصوليين وفقهاء وغيرهم رحم الله الجميع.

وأما التقسيم الثاني للآراء باعتبار نظرة البعض لجهة الفتوى ومصدرها بالضم أو الفتح !

وهم على ضربين:

الضرب الأول: من يرى-وهم قلة فيما أحسب- الإكتفاء بفتاوى علماء البلد الذي تقام الشعائر على أرضه، سواء كانت الفتوى بالمذهب السائد أو بالاجتهاد.

الضرب الثاني: وهم الكثرة يرى أن الحج شعيرة تهم المسلمين عمومًا، ومتعلقة بهم جميعًا، وأنه ليس من الصحيح علميًا ولا شرعيًا أن يستقل بهذه الأمور التي تعم بها البلوى علماء بلدٍ معين مهما أوتوا من علم وفضل ودراية.

وهذا هو الحق بلا ريب، لعدة أمور منها ماهو ظاهر ومنها ما هو أقل ظهورًا، ومن ذلك: أن العلم ليس له بلد أو نسب ،بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء،ومن تأهل للنظر والبحث أو وصل مرتبة الفتوى وحصل القدر الكافي من شروطها واتقى الله عز وجل، فهو من أهل الذكر الذين أمرنا الله بسؤالهم!

كذلك فإن الفتوى الفردية في الأمور الكلية وما يعم به البلوى، غير صحيح أيضًا، وهو مظنة للخطأ ومثار للنزاع والاختلاف، وتشتيت للناس.

لهذا أقول وأسجل هذا الاقتراح لعله يجد القبول والحظ من النظر والتأمل من قبل المختصين والمعنيين على كافة المستويات:ويتلخص في (إنشاء هيئة شرعية مختصة بكل ما يتعلق بمسائل الحج وفتاويه) وتكون.

1.هيئةً عالمية موسعة ينتخب في عضويتها علماء من بلدان مختلفة، لتتمثل فيها المذاهب الفقهية الأربعة.

2.يختار لعضويتها المؤهلين من العلماء وأساتذة الجامعات المعروفين بالبحث والتدقيق والنصح للأمة.

3.من الممكن اقتراح أن تنبثق هذه الهيئة عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة،توحيدًا للجهود وتوفيرًا للوقت.

4.ضمن آلية معينة:تفتح هذه الهيئة جسور التعاون المستمر والمنظم، مع الجهات المعنية بأمور الحج، حتى تتحق المقدمة الأولى التي سبق ذكرها"العلم بالواقع"ومن أبرز هذه الجهات: الجهات الأمنية ، ومعهد خادم الحرمين لأبحاث الحج، وهذا المعهد على وجه الخصوص ومن خلال مشاهدة مباشرة ،فيه من البحوث والدراسات الشيء العظيم والتي توافرت عليها نخبة متميزة من الباحثين الجادين، وصرفت عليها أموال طائلة، فهذه البحوث وهؤلاء الباحثين خير معين لأهل الفتوى والاجتهاد على تلمس الحكم الصحيح والمناسب لظروف المكان والزمان بحول الله. ومن غير المعقول أن تكون هذه البحوث حبيسة الأدراج وفي معزلٍ عن تنزيلها على أرض الواقع، بل إن الاستفادة منها مطلب ملح وأمر متعين لا ينبغي تجاهله أو التقليل من أهميته.

5.بعد الدراسة والتمحيص الذي يقتضيه النظر الفقهي في مثل هذه الأمور العامة والكلية تصدر الفتوى وتعلن على عموم المسلمين ،وتبلغ بها بعثات الحج، حتى يحصل البيان وتقوم الحجة.

المصالح المترتبة على هذا الإقتراح:

أولًا: أنه من باب البيان الذي أمر به القادرون ،وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

ثانيًا: أن في تشكيل هذه الهيئة تضييق لدائرة الاختلاف،وجمع لكلمة الأمة،وكون الفتوى تصدر بصورةٍ جماعية ومن هيئة تمثل فقهاء الأمة فهي أدعى للقبول، وفيه قطع لتذرع البعض من أنه لايقتنع بالفتوى الآحادية !! وكأن الحق يعرف بكثرة القائلين!! وإنما يعرف الحق بعرضه على الكتاب والسنة ،ولكن صدور الفتوى العامة من هيئة يشارك فيها قدر كبير من المتخصصين أدعى للقبول وأقوى في الحجة والله

أعلم.

ثالثًا: أن تخصيص هذه الهيئة بمسائل الحج والمناسك ،يعطي المشاركين قدرًا أكبر من التركيز والبحث والتأمل، والسماع من أهل الخبرة والاختصاص في أمور الحج. وكما تنشئ الدولة مشكورة لجانا وهيئات مستقلة تتخصص في أمور معينة، فإن أحكام المناسك هي قطب الرحى الذي تدور حوله كل هذه الجهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت