فهرس الكتاب

الصفحة 14425 من 27345

ولما كان تاريخ الأمة - أيًا كان - إنما هو حركة قدرها المقدور الوثيق الصلة بعالمي الغيب والشهادة، والساري في كيان العالم مشكلًا بعض تاريخه الماضي والحاضر وكذلك المستقبل، لذا فكم يكون من السذاجة بما كان أن يقف أحدٌ عند ظاهرة تاريخية بادية السقم من غير النظر إلى ما يمكن أن تنطوي عليه علتها من صحة وعافية في مداها البعيد، وإلى ما يمكن أن تتركه من مناعة في جسم الأمة في مستقبل أيامها.

فأية واقعة تاريخية - مهما بدت للعيان سلبية ومأساوية وشريرة - إن هي إلا بعض عواصف القدر وسحبه وبوارقه وأنوائه، وسرعان ما تنقشع عن صحو ضحيان ساطع النور في روح الأمة وضميرها تستضيء به أجيالها زمانًا بعيدًا.

و"النورسي"- رحمه الله - ذو النفس الصافية الجميلة يرى الجمال في كل شيء، ويرى النور في أشد الظلمات حلكة، ويرى بذور خير يمكن أن تختفي في جوانب أي شر.

وعلى ضوء نظرته هذه يمكن أن نفهم رأيه في إشاراته التاريخية التي يشير بها إلى بعض أحداث التاريخ الإسلامي.

ونود التنويه إلى أن هذه الإشارات لا تضمها رسالة واحدة أو كتاب واحد، بل جاءت متفرقة في العديد من الرسائل والكتب حيث كان يلتفت هذه الالتفاتات الذكية عندما تحين المناسبة ضمن الموضوع الذي هو بصدد الكتابة فيه.

والآتي من كلامه هو القاعدة الكلية التي ينطلق منها الرجل في تفسيره لأحداث الكون والتاريخ حيث يقول:

(نوضح - هنا - سرًا من أسرار الآية الكريمة:

(أحسن كل شيء خلقه) "السجدة: 8". (2) .

نعم، إن كل شيء في الوجود - بل حتى ما يبدو أنه أقبح شيء - فيه جهة حُسن حقيقية، فما من شيء في الكون، وما من حادث يقع فيه إلا وهو جميل بذاته، أو جميل بغيره، أي: جميل بنتائجه التي يفضي إليها..

فهناك من الحوادث التي يبدو ظاهر أمرها قبيحًا مضطربًا مشوشًا، إلا أن تحت ذلك الستار الظاهري أنواعًا من جمال رائق، وأنماطًا من نظم دقيقة:

فتحت حجاب الطين والغبار والعواصف والأمطار الغزيرة في الربيع تختبئ ابتسامات الأزهار الزاهية بروعتها، وتحتجب رشاقة النباتات الهيفاء الساحرة الجميلة...

وفي ثنايا العواصف الخريفية المدمرة المكتسحة للأشجار والنباتات، والهازّة للأوراق الخضراء من فوق الأفنان، حاملة نذر البين، وعازفة لحن الشجن والموت والاندثار، هناك بشارة الانطلاق من أسر العمل لملايين الحشرات الرقيقة الضعيفة التي تتفتح للحياة في أوان تفتح الأزهار، فتحافظ عليها من قر الشتاء وضغوط طقسه، فضلًا عن أن أنواء الشتاء القاسية الحزينة تهيء الأرض استعدادًا لمقدم الربيع بمواكبه الجميلة الرائعة.

نعم!... إن هناك تفتحًا لأزهار معنوية كثيرة تختبئ تحت ستار عاصف العواصف إذا عصفت وزلزلة الأرض إذا تزلزلت، وانتشار الأمراض والأوبئة إذا انتشرت.

فبذور القابليات، ونوى الاستعدادات الكامنة - التي لم تستنب بعد - تتسنبل وتتجمل نتيجة حوادث تبدو قبيحة في ظاهر شأنها، حتى كأن التقلبات العامة، والتحولات الكلية في الوجود إن هي إلا أمطارٌ معنوية تنزل على تلك البذور لتستنبتها.

بيد أن الإنسان المفتون بالمظاهر والمتشبث بها والذي لا ينظر إلى الأمور والأحداث إلا من خلال أنانيته ومصلحته بالذات، تراه تتوجه أنظاره إلى ظاهر الأمور، وتنحصر بما فيها، فيحكم عليها بالقبح!... وحيث إنه يزن كل شيء بحسب نتائجه المتوجهة إليه فحسب، تراه يحكم عليه بالشر! علمًا أن الغاية من الأشياء إن كان المتوجه منها إلى الإنسان واحدة، فالمتوجه منها إلى أسماء صانعها الجليل تعد بالألوف. فمثلًا:

الأشجار والأعشاب ذات الأشواك التي تدمي يد الإنسان الممتد إليها، يتضايق منها الإنسان ويراها شيئًا ضارًا لا جدوى منه، بينما هي لتلك الأشجار والأعشاب في منتهى الأهمية حيث تحرسها وتحفظها ممن يريد مسها بسوء.

مثلًا: انقضاض العُقاب على العصافير والطيور الضعيفة يبدو منافيًا للرحمة، والحال أن انكشاف قابليات تلك الطيور الضعيفة وتحفيزها للظهور لا يتحقق إلا إذا أحست بالخطر المحدق بها، وشعرت بقدرة الطيور الجارحة على التسلّط عليها.

ومثلًا: إن هطول الثلوج الذي يغمر الأشياء في فصل الشتاء ربما يثير بعض الضيق لدى الإنسان، لأنه يحرمه من لذة الدفء ومناظر الخضرة، بينما تختفي في قلب هذا الجليد غابات دافئة جدًا ونتائج حلوة لذيذة يعجز الإنسان عن وصفها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت