ثم إن الإنسان من حيث نظره القاصر يحكم على كل شيء بوجهه المتوجه إلى نفسه، لذا يظن أن كثيرًا من الأمور التي هي ضمن دائرة الآداب المحضة أنها مجافية لها، خارجة عنها... فالحديث عن عضو تناسل الإنسان - مثلًا - مخجل فيما يتبادله من أحاديث مع الآخرين... فهذا الخجل منحصر في وجهه المتوجه للإنسان، حيث إن أوجهه الأخرى أي من حيث الخلقة ومن حيث الاتقان ومن حيث الغايات التي وجد لأجلها، موضع إعجاب وتدبر... فكل من هذه الأوجه التي فطر عليها إنما هي وجهٌ جميل من أوجه الحكمة، وإذا هي - بهذا المنظار - محض أدب لا يخدش الحديث عنها الذوق والحياء... حتى إن القرآن الكريم - الذي هو منبع الأدب الخالص - يضم بين سوره تعابير تشير إشارات في غاية اللطف والجمال إلى هذه الوجوه الحكيمة والستائر اللطيفة، فما نراه قبحًا في بعض المخلوقات، والآلام والأحزان التي تخلفها بعض الأحداث والوقائع اليومية، لا تخلو أعماقها - قطعًا من أوجه جميلة، وأهداف خيرة، وغايات سامية، وحكم خبيئة، تتوجه بكل ذلك إلى خالقها الكريم كما قدر وهدى وأراد.
فالكثير من الأمور التي تبدو - في الظاهر - مشوشة مضطربة ومختلطة، إن أنعمت النظر إلى مداخلها طالعتك - من خلالها - كتابات ربانية مقدسة رائعة، وفي غاية الجمال والانتظام والخير والحكمة(.
هوامش:
(2) النقطة الثانية من"الكلمة الثامنة عشرة"بديع الزمان سعيد النورسي.