هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن الجامعة العربية هي فكرة إنجليزية وليست فكرة عربية وأول من دعا لها هو وزير الخارجية البريطاني أنطوني إيدن وهي تدل على استمرار تمزيق البلاد العربية وتكريس تجزئتها لأن قانون الجامعة يمنع إلغاء سيادة أية دولة من الدول الأعضاء فيها وبذلك يمنع عملياً وقوع الوحدة فهي بهذا المعنى مفرقة للعرب وليست موحدة لهم. وكذا منظمة المؤتمر الإسلامي فهي تشترط في عضويتها الحفاظ على سيادة الدول المنضوية فيها.
والتجربة العملية من تلك المنظمتين دلَّت ومنذ عشرات السنين على أن الهدف منهما الحيلولة دون وحدة العرب والمسلمين.
فهذه الدول الكرتونية الهزيلة ما هي إلا ثمرة الاستعمار ومخططاته واتفاقات دوله المستعمرة التي كان أشهرها سايكس بيكو وسان ريمو.
فهذه الدول القائمة في العالم الإسلامي والتي تزيد عن السبع وخمسين دولة هي نتاج طبيعي للأفكار القومية والوطنية وللمنظمات الإقليمية المفرقة للمسلمين والمانعة من وحدتهم.
ومن الأمثلة على ذلك ما تقوم به البلدان الإسلامية ومنها العربية من ترسيم الحدود وآخرها الدعوة إلى ترسيم الحدود بين الأردن وسوريا، ما يعني تثبيت الحدود إلى أبد الآبدين بحسب وجهة نظر الذين يقومون بالترسيم بمعنى أن الوحدة بين هذه الدول تصبح في دائرة المستحيلات.
فالغرب الذي يكرس التقسيم في بلدان المسلمين تتوحد دوله برغم جميع الصعاب كما حصل مع توحيد الألمانيتين بعد سقوط جدار برلين في لحظات، والسير في توحيد أوروبا عبر الاتحاد الأوروبي، بينما في بلاد المسلمين يثيرون مشاكل الحدود وترسيمها وتفريق المسلمين عن بعضهم البعض بشكل دائمي.
والأصل في هموم المسلمين أن تكون واحدة والشرع الإسلامي الحنيف قد وحَّد بالفعل هذه الهموم بينما الاستعمار وأفكاره هو الذي أوجد التعدد في الهموم والتعقيد في الاختلافات بين الأمة الواحدة وحتى الشعب الواحد.
يقول e:"من أصبح وهمه غير الله فليس من الله ومن أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم". وقد علَّمنا e أن النصح لكل مسلم هو شطر الإسلام وذلك للدلالة على وحدة المسلمين ووحدة همومهم. فعن حرير بن عبد الله قال أتيت النبي e فقلت:"أبايعك على الإسلام فشرط عليّ والنصح لكل مسلم". ويقول عليه الصلاة والسلام:"ما من عبد استرعاه الله رعية لم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة".
بينما في المقابل نجد أن الأقطار الإسلامية ينأى قادتها العملاء عن الوحدة والتوحد على أساس الإسلام، ويبتعدون عن توحيد الهموم الإسلامية كما وحَّدها الرسول e فنسمع في كل بلد عن هوية وثقافة وتراث ومميزات حضارية تفتعلها الطغمة الحاكمة في تلك البلدان فأصبحوا ينادون بالأردنة واللبننة والمصرنة والجزأرة و...ألخ
إن الإطار السياسي الجامع الموحد للمسلمين هو دولة الخلافة ولا يوجد إطار سياسي غيرها وتعرف الدولة"بأنها رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي وحمل الدعوة إلى العالم"وإقامتها فرض عظيم وهو أمر محتم لا تخيير فيه ولا هوادة، والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي يعذب عليه الله سبحانه أشد العذاب.
يقول e:"من خلع يداً من طاعة الله لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"، ويقول:"من خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية"، فهذان الحديثان وكثير غيرهما يدلان بصورة قاطعة على وجوب إيجاد من يبايع وحرمة الخروج على السلطان وهو الحكم الإسلامي المتمثل بدولة الخلافة.
وهذا ما تدل عليه الآيات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ { وهذا يعني أنه يجب العمل على إيجاد ولي الأمر لأنه لا طاعة لمن لا وجود له وولي الأمر هو الخليفة وليس الملك أو رئيس الجمهورية، وقوله تعالى: } وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ والحكم بما أنزل الله لا يتحقق إلا بالخلافة، والتي هي الإطار السياسي الذي يجمع المسلمين في وحدة سياسية.
وعن أبي هريرة عن الرسول e يقول:"الإمام جُنة يُقاتل من ورائه ويُتقى به"وهذا يدل على وجوب وجود الإمام لكي يوجد الجُنة والوقاية التي يتقي بها المسلمون من غدر الكفار وتآمرهم.
ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم انشغلوا بالبيعة على دفن الرسول e مع أهمية دفن الميت وهو في هذه الحالة ليس أي ميت وإنما هو الرسول e. وفي ذلك أبلغ دليل على إقامة الخليفة بالبيعة واستمرار توحيد المسلمين في إطار الخلافة.