وأخيراً فإن وجوب توحيد المسلمين بدولة الخلافة أمر واجب وأمر يتعلق بإيجاد واجبات كثيرة تتعلق بالحياة الإسلامية بشكل شامل والقاعدة الشرعية تقول:"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". ولذلك أصبح من أوجب الواجبات العمل لإقامة الخلافة بوصفه عملاً يؤدي إلى توحيد المسلمين سياسياً وهو توحيد واجب كما بيَّنت الأدلة وإقامة الخلافة واجبة كذلك.
وأما عن الأقليات وحقوقهم في دولة الإسلام والذي لا يتعارض مع وحدة المسلمين السياسية فالله سبحانه وتعالى يقول: وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ { ويقول: } وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ { ويقول: } وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ، ويقول الرسول e في الصحيفة:"وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة"، ويقول:"من قتل نفساً معاهدة لها ذمة الله ورسوله فقد أخفر ذمة الله ولا يرح رائحة الجنة"وقتل الرسول e مسلماً لأنه قتل يهودياً وقال:"نحن أحق من أوفى بذمته".
وصالح الرسول e أهل نجران وجاء في وثيقة الصلح:"على أن لا تُهدم لهم بيعة ولا يُخرج لهم قس ولا يُفتنون عن دينهم ما لم يحدثوا حدثاً أو يأكلوا ربا"، ومرض غلام يهودي كان يخدم رسول الله e"فأتاه النبي يعوده"وقال علي كرَّم الله وجهه عن أهل الذمة:"إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا"، وأوصى عمر t بأهل الذمة خيراً فقال في وصيته عند موته:"وأوصي الخليفة من بعدي بكذا وكذا وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله e وأن يُقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم".
ونهى الرسول e عن فتنتهم عن دينهم فقال:"من كان على يهوديته ونصرانيته فإنه لا يُفتن عنها"وهذا نظير قوله تعالى: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. وسُئل زياد بن حدير من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلماً ولا معاهداً. قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار الحرب كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم.
وخلاصة الكلام عن الأقليات أنهم أهل ذمة لنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، بمعنى أن لهم ما لنا من الإنصاف وعليهم ما علينا من الانتصاف، ونحن بوصفنا مسلمين في دولة الإسلام نضمن لهم خمسة حقوق رئيسية وهي:
1-حق الرعوية.
2-حق الحماية.
3-حق ضمانة العيش.
4-حق المعاملة بالمثل.
5-حق الرفق واللين.
وبضمان هذه الحقوق وبعدلهم وإنصافهم فلا أظن أهل الذمة يمكن أن يجدوا أريحية في العيش كما يجدوها في ظل دولة الإسلام، ولا تستطيع أية دولة في العالم أن تضمن لهم مثل هذه الحقوق كما تضمنها الدول الإسلامية.
وكل هذه الحقوق التي يتمتع بها الذمي في دار الإسلام لا يقابلها إلا الامتثال لأحكام الشرع الإسلامي ودفع الجزية وهو بعد ذلك مخير أن يقاتل مع المسلمين براتب أو لا يقاتل.
فالذمي يملك التابعية للدولة الإسلامية كما يملكها المسلم فجميع المزايا التي يتمتع بها المسلم بفضل هذه التابعية يتمتع بها الذمي. أما إن أحدث حدثاً أو أكل الربا أو تعامل مع الكفار فلا ذمة لمن فعل ذلك وعليه أن يواجه العقوبات العادلة بحقه.
وخلاصة القول: إن من يتذرع بصعوبة وحدة المسلمين السياسية بسبب وجود الأقليات فذريعته واهية وحجته ساقطة والأقليات عاشت عملياً في كنف الخلافة الإسلامية لمدة زادت عن الألف عام ولم يشكو أحد منهم ولم يتحدث أحد عن الوحدة السياسية للمسلمين بالسلب والجميع شارك المسلمين في تمتين هذه الوحدة.
فعلى أهل الذمة أن يطالبوا بعودة الخلافة كما يطالب بها المسلمون حتى يعود الحق إلى نصابه وينتشر العدل في ربوع البلاد الإسلامية بلا فرق بين مسلم وغير مسلم.
والمطالبة بعودة الخلافة الإسلامية تعني تلقائياً المطالبة بوحدة المسلمين ووحدة أقطارهم في دولة واحدة، فالوحدة السياسية للمسلمين مقترنة بإقامة الدولة الإسلامية وبإقامة الدولة الإسلامية توجد الوحدة السياسية للمسلمين.