أمَّا العبادات المحضة والعقائد الدينية فدخول الابتداع فيها واضح جليّ كمثل من يزيد ركعة خامسة في صلاة رباعية أو يعتقد أن الله تعالى ليست له صفات أو يعتقد أن الملائكة ليسوا بعقلاء.
أمَّا المعاملات والعادات فالأصل فيها الإباحة وعدم المنع إلاَّ ما دلّ الدليل الشرعي على منعه، وتختلف عن العبادات من جهة أن العبادات لها وجه واحد هو التقرب لله والخضوع له، أمَّا المعاملات والعادات فلها أوجه عديدة منها تحقيق المصالح الدنيوية وتحصيل المآرب الذاتية، ولكنها لاتخلو من تعبد، ففيها التزام بأوامر الشرع العامة، وفيها مقصد عبادي يتمثل في قول بعض العلماء: (( النيات الخالصات تحول العادات إلى عبادات ) )، وفي الحديث النبوي: (( وفي بضع أحدكم صدقة ) )لكن لو جاء شخص مّا - مثلًا - ولبس لونًا أخضر وقال بأن الصلاة في اللون الأخضر تقرب إلى الله نقول له حينئذٍ قد ابتدعت، ومثلًا (( حلق الرأس ) )مسألة عادية لو فعلها تخففًا من مؤنة الشعر، وعبادة إذا فعلها بعد الحج أو العمرة، ومستحبة إذا كان للتطبب والبحث عن العلاج، وبدعة إذا حلق رأسه عند شيخه إعلانًا للتوبة كما تفعل بعض الطرق الصوفية.
بيد أن المعاملات والعادات تبقى على أصلها من حيث الإباحة حتى يرد عليها ما يستحق حكمًا بالمنع الشرعي لبدعيته أو لمخالفته.
وعلى هذه القاعدة فإن الأمور الدنيوية والأحوال المعيشية والمنتجات التقنية والمهارات الإدارية تبقى على وصف الإباحة بل بعضها يأخذ صفة الوجوب الشرعي، بحسب الحاجة والضرورة، ولاتدخل في باب البدعة إلاَّ في حالات قليلة ونادرة.
والإسلام دعا إلى إعمال العقل وبذل الجهد لعمارة الحياة الدنيا في شتى نواحيها وتحصيل السعادة الدنيوية الحقيقية، والترقي في درجات النمو الحياتي ، كما دعا إلى الثبات على أمور الدين كما جاءت في الوحي المعصوم.
والذي حصل في حياة المسلمين -للأسف- أنهم ابتدعوا في أمور الدين، والبدعة في الدين ضلالة، وجمدوا في أمور الدنيا والجمود في أمور الدنيا جهالة.
والمخرَج من هذه الدوّامة هو بالاعتصام الصادق بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم-، والاجتهاد في الأخذ بأسباب التقدم الحقيقي التي هي من مقتضيات الرقي والمدنية، والفرز الصحيح بين هذه المقتنيات اللازمة والأدواء الفكرية والسلوكية والشعورية المصاحبة لها.