اسمع إلى موعظته في إصلاح العمل، وإخلاصه: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أمّن يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعلمون بصير} .
اعملوا ما شئتم.. العمل لكم، ولكم الاختيار.. لكم ما تشاءون.. لا أحد يُكره، ولا مَلَك يجبر.. أنتم في محض الحرية، وكامل الإرادة. فاعملوا ما شئتم:
-آمنوا، صلوا، صوموا، تصدقوا، أحسنوا.
-اكفروا، تجبروا، اظلموا، افسقوا، ابخلوا.
كل ما بدا لكم اعلموا، لكن تذكروا أنكم لا تخفون، فهو بعملكم بصير، كله في كتاب، لا ينسى، ولايمحى، بل يبقى، حتى يأتي الموعد، وما أدراك ما الموعد.؟!.
-إذا لم تنفع المواعظ كلها من: ترغيب في ثواب جزيل، العقل يعجز عن تصوره، والأذن تعجز عن سماعه، والعين عن نظره، والقلب عن تدبره.
-وإذا لم ينفع الترهيب من عقاب أليم، لا يحتمله بدن، ولا تطيقه نفس، ولا يصبر عليه الصبور، ولا يصمد له الجبار.
-وإذا لم تنفع الحكمة والتعليل، وخطاب العقل والضمير.
-إذا لم تنفع هذه الحجج والبراهين، فما لكم من موعظة إلا أن يقال لكم:
اعملوا ما شئتم.. اعملوا ما شئتم.. اعملوا ما شئتم.!!.
امضوا في غروركم، واغرقوا في أمانيكم وغيكم.. سيروا كما تشاءون وتفرحون، فيوما ما ينكشف عنكم الوهم، وتزول الغشاوة، وتستفيقوا في حلم، لتعلموا أن الأمر جدّ: الوعيد شديد، والثواب جزيل، والحسرة كبيرة:
- {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} .
- {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} .
- {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} .
- {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير} .
-العامل للدنيا، للنفس.. العامل لغير الله.. الحائز لذات الدنيا.. الموفى نعيمه كاملا غير ناقص: غمسة واحدة في النار. تنسيه كل ما ذاقه، وأسرّه، وأعجبه.
-والعامل للآخرة.. العامل لله تعالى.. الفاقد جميع لذات الدنيا.. اليائس من سرورها: غمسة واحدة في الجنة. تنسيه كل ما مر به.
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(يؤتى بأنعم أهل الدنيا، من أهل النار، يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم!، هل رأيت خيرا قط؟، هل مر بك نعيم قط؟، فيقول: لا والله يا رب.
ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا، من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم! هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟، فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط). [رواه مسلم في صفة القيامة، باب:صبغ أنهم أهل الدنيا]
أين اللذات.. وأين الآلام ؟!! .. ذهبت مع الجحيم، والنعيم.
{أفمن يلقى في النار خير أمّن يأتي آمنا يوم القيامة} ؟!
-بعد أن سمعتم بما في النار، وعرفتم ما في النار، وأدركتم هول النار، وأحسستم بلسعها، وإحراقها.
-بعد أن سمعتم بنعيم الجنة، وعرفتم ما في الجنة، وذقتم بعض نعيمها.
-بعد أن أدركتم الفرق بين: الأمن والخوف، والنجاة والسقوط، يقول الرب جل شأنه لكم:
{أفمن يلقى في النار خير أمّن يأتي آمنا يوم القيامة} ؟!.
يسألكم لتجيبوا. ليجيب كل عن نفسه، ويجادل عن نفسه.. وبينما أنتم في حال الجواب: يبدركم بهذه القارعة: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير} .
هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.
العلم حجة لك، أو عليك إذا لم تعقبه بالعمل؛ فالمؤاخذة والحساب لا يكون إلا بعد العلم:
- {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} .
كان أبو إسحاق الألبيري الأندلسي، المتوفى سنة 653هـ، من أهل العلم، نصح ولدا له بأبيات قال فيها:
وإن أعطيت فيه طول باع *** وقال الناس: إنك قد علمتا.
فلا تأمن سؤال الله عنه *** بتوبيخ: علمت، فهل عملتا؟
فرأس العلم تقوى الله حقا *** وليس بأن يقال: لقد رؤستا.
إذا لم يفدك العلم خيرا *** فخير منه أن لو قد جهلتا
-أشياء كثيرة من الخير نعلمها، لكن لا نعمل بها..!!.
-وأشياء كثيرة من الشر نعلمها، نجدّ فيها ونسارع..!!.
صدق الله تعالى إذ يقول: {إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} .
نهلك إذا هلكنا عن بينة، ونحيا إن حيينا عن بينة، فما عاد لأحد عذر بجهل، فقد قامت الحجة، وما لنا إلا سؤال الله العفو والرحمة.
لا ندري: هل الفتن أكبر من طاقتنا ؟.
أم نفوسنا فيها دخن ؟!!، فما أن تعرض لنا فتنة، حتى نمد لها رؤوسنا، كالظمآن والمشتاق ..!!.
-نخادع بعضنا؟..: نعم.
-نخادع نفوسنا؟..: نعم.
لكن الله جل شأنه لا يخدعه أحد.. ولا يضره أحد؛ فهو فوق كل شيء.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
إذا لم يكن من الله عون للفتى، فأول ما يجني عليه اجتهاده.
الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب من العمل، وقد حدد أنواع العمل الطيب، فقال: