فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
منذ سنوات كان المسلمون في حدود خمس مئة مليون وهم اليوم يكادون يقربون من المليار وكل يوم تطلع فيه الشمس على الدنيا يشهد هذا العالم أناسًا يدخلون دين الله وحدانًا وجماعات بفضل القوة والديناميكية التي أودعت هذا القرآن الكريم هذه الفاعلية الخارقة مسحة ربانية وليست صناعة ألفاظ ولو كانت صناعة ألفاظ لكان كلامي وكلامك مؤثرًا كتأثير الكلام الإلهي، ولكن الكلام الإلهي يفعل وكلام الناس لا يفعل هذا إعجاز محمد صلى الله عليه وسلم، معجزته العظمى وآياته الكبرى هذا القرآن.
ن.. إشارة لحرف إلى أن ما تلفظون به من قول فمؤلف من هذه الحروف ومع ذلك فأنتم عاجزون عجزًا مطلقًا عن أن تأتوا بمثل هذا القرآن أو بقريب من هذا القرآن ثم قال: (والقلم وما يسطرون) وتعرفون أن الله جل وعلا استجاش الهمم والدواعي نحو العلم في فاتحة سورة العلق:
{ اقرأ باسم ربك الذي خلق, خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } .
في السورة الأولى إشارة لهذه النعمة السابقة، وهي تعليم الإنسان بالقلم وتعليمه ما لم يعلم، وفي السورة الثانية من القرآن في سورة القلم إشادة بالقلم وبآثاره إشادة بالعلم وبالمعرفة، لكن هاهنا دقيقة يجب أن نتفطن لها لا يجوز أن يغفل عنها قارئ لأنها تتعلق بالكشف عن بعض أسرار الكتاب الكريم صياغة الآية (والقلم وما يسطرون) الواو واو القسم وما بعد الواو مقسم به والقسم واقع على شيئين على القلم وعلى آثار القلم على السطر على الكتابة كأن الله جل وعلا يقول: والقلم وما يكتبون بالقلم القسم بماذا يكون عادة لماذا يأتي القسم، يأتي القسم ليشد من عزيمة الإنسان على الفعل أو على الترك، إن أردت أن أفعل شيئًا فأنا أقسم على فعله لأزيد موقفي في الفعل ثباتًا ورسوخًا وإن أردت أن أترك ولا أفعل أقسم أن لا أفعل لكي أكف نفسي بزيادة عن الفعل فالقسم من أجل الفعل ومن أجل الترك يشد عزيمة الفاعل أو التارك.
وبماذا يقسم الإنسان هل يقسم الإنسان بكل ما هب ودب من حقير وجليل؟ لا القسم لا يكون إلا بما له مكانة وبما له منزلة وقداسة، ولذلك فنحن نقسم بالله والله أكبر شيء وأجل شيء، وأعظم شيء، فحينما نلحظ أن الله يقسم بالقلم ويقسم بالكتابة نستدل بداهة على أن للقلم ولآثار القلم منزلة عالية وقدرًا رفيعًا، عند هذه النقطة نتمهل لنرى إذا كنا نقرر أن القسم لا يكون إلا بالأشياء العظيمة، الأشياء ذات الآثار القيمة الظاهرة في السماوات والأرض، إن أقسمنا بالله فلما يغذونا به من نعمة وإن أقسمنا بالكواكب والشمس والنجوم -وقد وردت الأقسام بها في القرآن- فلما تدل عليه من آثار رحمة الله جل وعلا بهذا الخلق وتسخير الكون لمصلحة الإنسان.
حينما يقسم ربنا جل وعلا بالقلم وبالكتابة فنحن نعلم أن القلم أداة ككل أداة في هذه الدنيا يستخدمها العاقل البر الخَيِّر فتكون أداة رحمة وَبِر، ويستخدمها الفاجر الشقي وتكون أداة تدمير وتخريب، كل أداة يمكن أن تستعمل في الخير فتنتج خيرًا وبركة، ويمكن أن تستعمل في الشر فتنتج شرًا وفسادًا ودمارًا، فإذا كان الله يقسم بالقلم وما يسطر أي يكتب بالقلم فالقلم يكتب به كتاب الله، وتكتب به أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكتب به الدعوة إلى الخير والبر والرحمة، كما تكتب به سائر السفاسف والمؤلفات والأشياء الضارة والدعوات الفاسدة وما يحدث التخريب الهائل الخطير في المجتمعات البشرية.
فهل يتناول قسم الله جل وعلا آثار هذا القلم حتى وإن كانت فاسدة وشريرة؟ لا لأننا قررنا أن القسم لا يكون إلا بما له منزلة عالية، والباطل الذي يكتب بالأقلام كسائر ما تسود به الصحف وما تقيئه المطابع وتقيئه الإذاعات وتقيئه الجرائد على رؤوس الناس دمارًا وتخريبًا فباطل لا يجوز أن يتناول القسم لأنه في موضع المهانة والحقارة يجل قسم ربنا جل وعلا عن أن يقع عليه وأن يتناوله بحال من الأحوال.
بعد ذلك نقول تأويل الآية لمن يريد أن يدرك كيف يقرأ (نون والقلم وما يسطرون) أي يكتبون به من خير وبر ورحمة بين الناس لا ما سوى ذلك فما يحدث الشقاق والبغضاء والفتنة والدمار بين الناس هكذا ينبغي أن يتناول كلام الله جل وعلا لكي تستخلص منه زبدة ما أراد الله جل وعلا للإنسان أن يفهمه منه ثم تتابع الآيات (ما أنت) والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم:
(ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرًا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) .
ارجعوا بذاكرتكم إلى بواكير الدعوة أوائل الوحي حينما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يبادئ قومه من العرب. بما أنزله الله إليه من كتاب، وبما حمله إياه من أكلاف ومهمات كان يتلو عليهم هذا القرآن فيسمعون كلامًا لا عهد لهم بمثله.