فهرس الكتاب

الصفحة 20092 من 27345

واستلهاما لما قاله نضيف إلى ما تقدم في حل المشكلة وجوب التوقف عند الحلقة الأولى"إسلام محمد"صلى الله عليه وسلم ، لا في دحرجتها ككرة الثلج عبر حلقات لا تنتهي ، وبالنسبة للحلقة الأولى: يأتي الحل من إسلام محمد صلى الله عليه وسلم مباشرة فيما تركه لنا من سعة الأفق ، ثم فيما تركه من مبادئ واضحة ، أو مبادئ استخلصها العلماء من تراثه واتفقوا عليها: حول المحكم والمتشابه ، والقطعي والظني ، والاجتهاد ممن يملك أدوات الاجتهاد ، وأجران للمصيب وأجر واحد للمخطئ ، وتأثيم المسارعة إلى المراء والفتنة والتكفير ، والتفرقة بين التكفير والتبديع ، والتفرقة بين كفر الملة وكفر النعمة ، وفيما هو مقرر من التمييز بين العلم الضروري والنظري ، والتفرقة بين الفهم والتصور ، والتمييز بين العقل النظري والعقل العلمي والعقل العملي ، والأصول والفروع ، وغير ذلك من المبادئ التي لا نتعرض لحصرها الآن ،

ولكن السلاح الذي وضعه الرئيس في يد النسبيين مازال قائما: إذ المعضلة التي يطرحونها هي هنا: كيف يمكن هذا التمييز دون الوقوع في فخ النسبية الارتيابية التي تم طرحها ؟

بهذا فتح الباب لتوارد الأسئلة مرة أخرى ، فإن لبعضهم أن يقول: ولكن ( مصادر الفكر الإسلامي والقرآن الكريم ) تدخل ثم تخرج من عقل المتصورين لها ، فالشأن فيه كشأن: إسلام أبي ذر أو ابن سينا مثلا: يمر بنفس الطريق ، أي يأتيك بعد أن يمر بعقلك أنت ، هكذا في سلسلة غير متناهية ؟

معنى هذا أن المشكلة لا تزال قائمة بدليل ما ذكره الرئيس بعد ذلك بقوله ( وبعد اجتياز هذه المراحل تبقى المعرفة التي نكتسبها تعبيرا عن تصورنا للدين ) ص 36

لم نبتعد كثيرا إذن عن ورطة النسبية التي طرحها الرئيس بقوة أكثر من طرح الحل لها

أما وقد اختار الرئيس الطريق الصعب دون التعرض لكثير من نتائجه المحذورة -على الأقل فيما حصلنا عليه من كتبه - فقد وجب علينا أن نتعرض هنا لوقف التداعيات التي ترتبت - دون قصد - على منهجه الذي انتهى - دون قصد أيضا - إلى طرح القضية كلها في هاوية النسبية

والمخرج من ذلك يكون: أولا بالحد من فلسفة النسبية فلسفيا ، والحد من سلطة العقل الشاك وسحب القضية منه ونقلها إلى ساحة العقل العملي .وثانيا: بالتعرض المباشر لأكثر الاتجاهات النسبية المعاصرة انتشارا على الساحة الإسلامية

أولا:

إن كل مطلع منصف على ما كتبه زعماء الفلسفة النسبية يجدهم يعترفون من خلال فلسفتهم النسبية بوجود المطلق ، إذ لابد فيها من التسليم بنقيضها ، أو عدم إنكاره على الأقل ، وإلا لم يعد النسبي نسبيا ، وانقلبت الفلسفة النسبية نفسها إلى فلسفة مطلقة أو انقلب النسبي نفسه إلى مطلق ، ، وهذا بإجمال ما ذهب إليه بعض فلاسفة النسبية مثل الفيلسوف الإنجليزي هاملتون ( 1788-1856) ومنسل ( 1820-1871 ) وهربرت سبنسر 0 ( 1820 - 1903 )

كذلك فإن كل مطلع منصف على ما وجهته الفلسفة إلى العقل من نقد فيما يسمى نظرية المعرفة سواء من ناحية ماهيته أو إمكاناته ووسائله لا بد أن يعترف - دون أن يقع في النسبية المطلقة أو النسبية بأنواعها المختلفة - بأن العقل البشري محدود وأقصى ما يصل إليه من ذلك ما ذهب إليه عمانويل كانت في نقد العقل الخالص من عجز العقل عن معرفة الشيء في ذاته مع الإقرار بوجوده ، انتقالا منه إلى التعامل معه بمنطق العقل العملي

وخلاصة القول أنه لابد من افتراض وجود شيء ثابت يكمن خلف شتى الأعراض المتغيرة دون أن يكون من الضروري لعقولنا أن تقدر على تحديده . فقوانين الفكر التي تحظر علينا تكوين تصور عن"الوجود المطلق"هي بعينها التي توجب علينا التسليم بوجوده .

وكان يمكن للرئيس أن يصل إلى هذه النقطة ثم ينطلق إلى الكشف عن قواعد الدين من هذا السبيل ، فقد قررها من قبله بعض كبار الأئمة كالإمام الشاطبي ، والغزالي ، والجويني ، وابن الوزير، وبعض علماء الكلام .

ومن جهة أخرى فقد انتهت فلسفة الشك إلى أنه لا يمكن لها بحكم الضرورة العملية أن تجعل الفيلسوف اللاأدري يتوقف عن العمل ، وإذن فهي تنتهي إلى الإيمان التسليمي بحكم الضرورة العملية

كذلك فإن الفلسفة العقلية اليقينية مهما انسجمت واستقرت تنتهي بنا - بحكم الضرورة العملية - إلى ممارسة التفكير على أساس الثقة بالعقل ، دون أن نضع هذه الثقة على غير القاعدة الإيمانية التسليمية

كذلك فإن الفلسفة التجريبية وهي تقوم على إنكار ما لم يثبت بالتجربة تتنازل عن هذا الشرط - شرط التجربة - في العلم بالمبادئ الأولى اللازمة لتدعيم الاستدلالات العلمية: كمبدأ القوة والزمان والمكان والحركة إذ هي كما يقول برتراند رسل ( غير قابلة للبرهان بأي معنى مألوف ) "ولكنها تأخذ بها بحكم الضرورة العملية"

والضرورة العملية هي التي أخذت بيد كثير من الفلاسفة إلى الإيمان: مثل بسكال ، وباركلي وديفيد هيوم وشلر ووليم جيمس ، على اختلاف اتجاهاتهم وعقائدهم ومشاربهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت