1.من حيث الدليل فالأمر في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، عام وموجه لجميع المسلمين الذين يجب عليهم الصوم في جميع البلدان وقوله: (لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) قال الإمام الشوكاني -رحمه الله - في نيل الأوطار:"وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين؛ لأنه إذا رآه بلد فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزمهم... إلى أن قال:"فلا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعلم بعضهم بخبر بعض وشهادته في جميع الأحكام الشرعية والرؤية من جملتها وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا فلا يقبل التخصيص إلا بدليل"أهـ."
2.الحديث الذي رواه أصحاب السنن عن ابن عباس"أن أعرابيًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم - وشهد أنه رأى هلال رمضان قال له: أتشهد أن لا إله إلا الله. قال نعم، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله. قال نعم، قال: يا بلال أذِّنْ في الناس فليصوموا غدًا".
فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس بالصيام برؤية ذلك الأعرابي ولم يسأله أين رأى الهلال ولا عن المكان الذي رآه فيه هل هو بعيد أم قريب مع أن الأعرابي قد جاء من البادية وليس من المدينة.
وأما الأثر الذي رواه مسلم عن كريب أنه قال: قدمت الشام واستهل عليّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال - يعني في الشام - فقلت رأيته ليلة الجمعة، فقال أنت رأيته فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية أمير الشام قال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين يومًا أو نراه فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية فقال لا هكذا أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد استدل بهذا الأثر من قال بأن لكل بلد رؤيته، وهذا الاستدلال إنما يصلح لمن لم يبلغهم خبر رؤية الهلال في البلد الآخر إلا بعد أيام فهنا يستدل بهذا الأثر بأنه لا يلزمهم قضاء ذلك اليوم الذي رُئِيَ في ليلته الهلال في بلد بعيد عنهم كالشام بالنسبة للحجاز، لأن ابن عباس قال:"لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يومًا أو ما نراه"وذلك لأنه لم يبلغهم خبر رؤية الهلال في وقته، أي في اليوم الأول الذي رُئِيَ فيه الهلال بالشام، وإنما بلغهم بعد عدة أيام. أما في وقتنا هذا الذي توفرت فيه وسائل الاتصال والمواصلات وأصبح الخبر يبلغ القاصي والداني خلال دقائق من نشره وبطرق متواترة؛ فإن الحكم هنا يختلف بحيث أصبحت رؤية الهلال في أي بلد رؤية لجميع المسلمين، وحكمها يلزم جميع المسلمين متى بلغهم خبرها بأنها رؤية ثابتة شرعًا لأن المسلمين أمة واحدة، وقد شبهها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجسد الواحد، والقرآن الكريم نص على أن الأهلة (مواقيت للناس والحج) أي لجميع الناس على جهة العموم وللمسلمين على جهة الخصوص، حيث تتعلق بها أحكام عبادات لهم كالصوم والحج والعدد ونحوها، وخطاب الأمر بالصوم والفطر إذا رُئِيَ الهلال"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"خطاب عام موجه لجميع المسلمين متى بلغهم خبر رؤيته لزمهم حكم هذه الرؤية من صوم وفطر وحج أينما كانوا، أما الحدود السياسية القائمة اليوم بين البلاد الإسلامية؛ فإنما هي حدود وضعتها الدول الاستعمارية الأوربية كبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، رسمتها على الخرائط عند نهاية الحرب العالمية الأولى في أوائل القرن الماضي -كما هو معروف- بموجب اتفاقية (سايكس بيكو) حيث قامت الدول المذكورة باقتسام البلاد الإسلامية فيما بينها كما تقسم الغنيمة!؛ فقسمت البلاد الإسلامية إلى قطع وأوصال، ومزقتها إلى كيانات صغيرة ضعيفة وجعلت من كل وصلة دويلة مبتورة ومفصولة عن بقية العالم الإسلامي والعربي بالذات، وبذلك قصمت ظهر ذلك المارد النائم، وقطعت أوصال الجسد الإسلامي الكبير بعد ما قضت على آخر خلافة إسلامية وهي الخلافة العثمانية!، حيث نخرت في تلك الخلافة من الداخل وتكالبت عليها من الخارج حتى قضت عليها، ونفذت تلك الدول الاستعمارية الصليبية الحاقدة مخططاتها في الضحية وهو الوطن الإسلامي الكبير وشعوبه المستضعفة، وما زال المسلمون يعيشون مآسي وآثار تلك المخططات الآثمة إلى اليوم من تقسيم وهيمنة واحتلال عسكري وسياسي وثقافي وتخلف على جميع المستويات.