"مهلًا أيها الغافلون!"
إياكم والركون إلى الإفرنج، والاعتماد عليهم.
ارفعوا رؤوسكم.
وانظروا إلى الفتن الكامنة في مطاوي ثيابهم.
ألا إنه لا حيلة لكم ولا وزر إلا أن تطردوهم عن منهلكم.
وتذودوهم عن حوضكم.
إن حكمة الغرب قد أسرت الأمم، وتركتها سليبة حزينة، لا تملك شيئًا.
إنها مزقت وحدة العرب، واقتسمت تراثهم.
إن العرب لما وقعوا في حبائلهم.
تنكّر لهم كل شيء.
وقسا عليهم هذا الكون.
ولم يجدوا من يرثي لهم ويرفق بهم.
وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
وضاقت عليهم أنفسهم".."
وبعدما يفيض الشاعر قي بيان شرور الإفرنج ومكائدهم، ويحذر العرب من الانسياق إليهم، والوقوع في شركهم، يُقبل إلى تشجيع العرب والترفيه عنهم، ويقول:
"إن الله قد رزقكم البصيرة النافذة."
ولا تزال فيكم الشرارة كامنة.
فقوموا أيها العرب!
وردّوا فيكم روح عمر بن الخطاب مرة أخرى.
إن منبع القوة ومصدرها هو الدين.
منه يستمد المؤمن العزم والإخلاص واليقين.
وما دامت ضمائركم أمينة للسرّ الإلهي.
فيا عُمّار البادية!
أنتم الحراس للدين.
وأمناء الله في العالمين.
إن غريزتكم العربية الإسلامية ميزان للخير والشر.
وأنتم ورثة الأرض.
إذا تألق نجمكم في آفاق السماء.
أفَلَت نجوم الآخرين.
وطُويَ بساطهم.
لن تسعكم الصحراء والفيافي.
فاضربوا خيمتكم في وجودكم الذي يسع الآفاق.
كونوا أسرع من العاصفة.
وأقوى من السيل.
حتى تسرع ركائبكم في مضمار الحياة وتسبق الريح"."
"ليت شعري!"
من خلّفكم في الحياة؟!
إن العصر الحاضر وليد نشاطكم وكفاحكم.
وصنيع جهادكم ودعوتكم.
وما زلتم سادته وولاته حتى أفلت زمامه منكم، فتبناه الغرب وامتلكه، ومن ذلك اليوم فقدَ هذا العصر، وهذا المجتمع الإنساني، شرفه وكرامته، وأصبح تحت ولايته منافقًا خليعًا، ثائرًا على الدين"."
فيا رجل البادية! ويا سيد الصحراء!
عُدْ إلى قوتك وعزتك.
وامتلكْ ناصية الأيام.
وخذ عنان التاريخ.
وقُدْ قافلة البشرية إلى الغاية المثلى"."
وهنا نبذة أخرى من أبياته يشكو فيها إلى روح رسول الله صلى الله عليه وسلم ضياع الأمة الإسلامية، وانطفاء شعلة الحياة والإيمان في نفوس العرب، ويشكو وحدته وغربته في هذا المجتمع الإسلامي البارد الجامد، ويناجيه مناجاة من قام بين يديه، وأُذن له في الكلام، يقول:
"لقد تشتّت شمل أمتك يا محمد! يا رسول الله."
فإلى أين يلجأ المسلم الحزين؟
وإلى من يأوي؟
لقد سكن بحر العرب المضطرب المائج.
وفقدت الأمة العربية ذلك اللوع وذلك القلق الذي عُرفت به.
فإلى من أشكو ألمي؟
وأين أجد من يساعدني على آلامي وأحزاني؟
وماذا يفعل حادي أمتك؟
وكيف يقطع الطريق الشاسع، ويطوي السفر البعيد، في هذه الجبال والمهامه.
وقد ضل سبيله.
وفقد زاده.
وانقطع عن الركب.
بالله! قل لي: ماذا يصنع حامل دعوتك؟
المؤمن برسالتك؟
وأين يجد زملاءه ورفقته؟""
ويؤلم الشاعر، أن يرى العرب لا يزالون ينظرون إلى الأوروبيين الإنجليز والأمريكيين، كأصدقاء مخلصين وأعوان منجدين، يحلّون له مشكلة اللاجئين، ويردون إليهم أرض فلسطين، مع أنهم لا يزالون تحت سيطرة اليهود ونفوذهم السياسي والاقتصادي والصحافي، يقول:
"أنا أعلم جيدًا يا إخواني العرب!"
أن النار التي شغلت الزمان وبهرت التاريخ.
لم تزل ولا تزال تشتعل في وجودكم.
صدقوا أيها السادة!
إنه لا دواء لكم في جنيف ولا في لندن.
لأنكم تعلمون أن اليهود لا يزالون يتحكمون في سياسة أوروبا، ولا يزالون يملكون زمامها.
إن الأمم لا تذوق طعم الحرية والاستقلال حتى تربّ فيها الشخصية والاعتداد بالنفس، وتعرف لذة الظهور"."
وأخيرًا يقول كلمة صريحة مركزة بليغة مع تلطف واعتذار:
"معذرة يا عظماء العرب!"
لقد أراد هذا الهندي (5) أن يخاطبكم ويقول لكم كلمة صريحة.
فلا تقولوا أيها الكرام: هندي؟ ونصيحة للعرب؟!
إنكم كنتم يا معشر العرب أسبق الأمم إلى معرفة حقيقة هذا الدين.
وإنه لا يتم الاتصال بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا بالانقطاع عن"أبي لهب".
وإنه لا يصح الإيمان بالله إلا بالكفر بالطاغوت.
كذلك لا تتم الفكرة الإسلامية إلا بإنكار القوميات والوطنيات، والفلسفات المادية.
إن العالم العربي، أيها السادة! لا يتكون ولا يظهر إلى الوجود بالثغور والحدود.
وإنما يقوم على أساس هذا الدين الإسلامي.
وعلى الصلة بمحمد صلى الله عليه وسلم"."
الهوامش
(1) يشير إلى الحديث المشهور:"إذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده؟"
(2) يشير إلى سورة (الصافات) .
(3) يعني (تاج محل) الذي بناه الإمبراطور المغولي (شاه جهان) ويعتبر آية في الفن المعماري، ويأتي إليه الجوّابون والزائرون من أقاصي البلاد.
(4) من ترجمة الأستاذ سعيد الندوي بتوجيه من الأستاذ أبي الحسن الندوي، وقد تناولها بالحذف والزيادة.
(5) لا يغربنّ عن البال أن محمد إقبال توفي قبل ولادة باكستان بعشر سنوات، قبل أن تكون هناك جنسية باكستانية.