فهرس الكتاب

الصفحة 13359 من 27345

إن هذه القلة التي آمنت برسول الله صلى الله عليه ترى ما حولها وتراه على الطبيعة ، إنها بشر من البشر ، ولو أنها تُركت للمشاعر الإنسانية البحتة ولنتائج الفعل التي تتولّد عنها لاستيأسوا وألقوا بأيديهم ، ولكن القرآن بأناةٍ عجيبة كان يأخذ بالهمم حتى لا تسقط ، كان يتناول هذه العزائم في ذروة الخطر ليحقنها بالمادة الصالحة والمؤهلة لتجديد الحيوية والنشاط .

إن المسلم يعرف من حقائق إيمانه الأولية أنه لا يعطي للناس رسالة نفسه ، ولكنه يقدم لهم رسالة الله ، وحين تدلهم الخطوب من حولنا ونكون في وسط الصراع وجهًا لوجه أمام أعداء الله تعالى ، من هنا يتطرّق اليأس إلى قلوب الناس حينما يعالجون أمر الرسالة وحينما يجابهون أعداء الله تعالى ، لكن المؤمن حينما يستحضر في ذهنه أنه مجرد أداة ووسيلة بيد القادر القاهر الجبار المنتقم ، وبأن أمر الرسالة نصرًا أو هزيمة ليس إليه ، والذي هو فعلًا مسؤول عنه ومطالب عنه هو تحرير النية وإخلاص القلب لله تعالى والتدرّع بالثبات والصبر ، لو أن المسلم في معترك الصراع ذكر هذا لانزاحت عنه غاشية الهزيمة ، ولَشعر أنه يفيء إلى جانب عزيز كريم قوي قادر قاهر لا يُغالبه أحد إلا غلبه ولا يتصدى له أحد إلا دندن عليه .

هذه الحقيقة كما قلنا من أوليات الإيمان موجودة في الآية التي نتلوها ، إن الله يقول ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ، الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد ) فيناسب بعد تحديد جوهر الصراع بأنه لا خلاف بين المؤمنين ومن عداهم إلا على حقيقة الإيمان وبأنه لا صح ما يقال بأن الذين يقفون مع حقائق الكتاب المنزل ويحاولون إيصال هذا النور إلى الناس الذين حُرموا منه لعوامل وذرائع شتى لا أرب لهم في أموال الناس ولا شيء آخر .. وسواء عليهم عُرفوا أم لم يُعرَفوا ، بل إن المؤمنين حينما يُعرَفون من قبل الناس يتمنون لو أن الله أخفى لهم أعمالهم . إن المؤمنين ليسوا في سبيل من هذه السبل التي يتحدث عنها الناس في مختلف الأقطار وفي مختلف الأجناس ، ولكنهم إن كان لهم جرم ، إن كان لهم ذنب ، فذنبهم وجرمهم هو هذا الإيمان ، والذي حرّض عليه دعاة السوء والفساد هو أنهم آمنوا بالله ربهم .

بعد أن حرر الله تعالى جوهر الصراع لكي يقطع على المؤمنين طريق التأثر بما يثيره أعداء الله في وجوههم وبين أقوامهم من المغفلين من أن المؤمنين يريدون كذا وكذا ، بعد أن وقعت الأمثولة البارزة أمام أعين المؤمنين والكافرين جميعًا هو أنها جاءت وفود المكيين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض عليه المغريات وتنثر بين يديه المفاتن .. إن كنت تريد مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا .. وإن كنت تريد ملكًا سوّدناك علينا فلا نقطع أمرًا دونك .. وإن كنت تريد النساء زوجناك من تشتهي وتختار من أجمل نسائنا وأكرم بيوتاتنا .. بعد هذا كله يقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الإنسان المؤمن لا يسعى إلى شيء من هذا القبيل ولا يطلب أغراضًا من هذا المستوى ، إنه يقول لهم: ما لي هذا الذي قلتم ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا فإن تقبلوا مني فذلك حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم وهو خير الحاكمين .

ومع ذلك فإن المؤمن ككل جهاز من أجهزة الدنيا محتاج إلى أن يُشحن بالطاقة كلما كادت هذه الطاقة أن تفرغ . وفي الصراع يُنفق الإنسان كمية هائلة من الطاقة فهو بحاجة إلى أن يُشحن باستمرار . فإذا جئتم إلى الآيات وذلك هو الغرض الذي أريد أن أقف اليوم عنده وأقف وقوف الإنسان المتدبّر المتأمل الذي يعلم أن هذا القرآن سلاح المسلمين في معركتهم مع أعداء الله تعالى ، فمن أجل ذلك عليهم أن يتدبّروه ( أفلا يتدبّرون القرآن ) ومن أجل ذلك حذّر النبي عليه الصلاة والسلام من عدم التدبّر لآيات الله وأشار إلى أن قومًا ينزلون بين المسلمين يقرأون القرآن ولكن لا يجاور حناجرهم ، ولذلك أريد أن ألفت نظركم إلى أن الآية حملت صفات من صفات الله تعالى ، والذي يلفت الذهن وينير الطريق أمام المؤمن هو الدقة في اختيار في الألفاظ ، إن الله تعالى يقول ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله ) كان يمكن أن يُكتفى بالكلام عند هذا الحد وتكون القضية على سوائها ، إن جوهر الصراع مع هؤلاء الناس أنهم آمنوا بالله ، ويمكن أن ينتهي كل شيء عند هذه الكلمة ولكن الله تعالى أردف اسمه الكريم الذي هو ( الله ) بأوصاف ، ما هذه الأوصاف؟ الوصف الأول أنه العزيز ، والوصف الثاني أنه الحميد ، والصف الثالث أنه مالك كل شيء ، والوصف الرابع أنه شهيد على كل شيء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت