والتقوى هنا هي فعل ما أمر الله سبحانه وتعالى به، وترك ما نهى عنه، وهذا وصف شامل، يتميز به أولياء الله عن غيرهم، وبه نعلم مما تقدم أن الولاية ليست مكتسبةً بالنسب، ولا مكتسبةً بالجاه، ولا مكتسبةً بالوراثة، ولا مكتسبة بملبسٍ معينٍ، أو بانتسابٍ إلى جهة معينةٍ كمذهبٍ أو غيره، إنما تكتسب بالعمل الذي دائرته الكبرى: هي اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتفصيله، لقوله سبحانه وتعالى: { الذين آمنوا وكانوا يتقون } .
قال رحمه الله: ( ثم صار الأمر عند أكثر من يدّعي العلم وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشريعة، إلى أن الأولياء لابد فيهم من ترك اتباع الرسل ) وهذا في وقته رحمه الله، حيث هجرت السنة، وتعصب الناس لما كانوا عليه من مذاهبَ وأقوالٍ، وآراء، وأصبح المتَّبِعُ للنبي - صلى الله عليه وسلم - غريبًا بينهم.
ثم قال: ( ومن تبعهم فليس منهم ) أي: ومن تبع هؤلاء الذين استقاموا على الكتاب والسنة، فليس منهم، يعني: فليس من أولياء الله، لأنه إذا كان الداعي إلى الكتاب والسنة عند هؤلاء الذين تحدث الشيخ عنهم ليس من أولياء الله، فما هي حال غيرهم ممن هو تابع لهم؟ الجواب: أنه لا يكون من أولياء الله من باب أولى.
ثم قال رحمه الله تعالى: ( ولا بد من ترك الجهاد ) هذا انتقال إلى تفصيل ما عليه أولئك الذين وصفهم رحمه الله، ممن يدعي منهم ولاية الرحمن وهم على خلاف ذلك قال: (لابد من ترك الجهاد) وذكر الجهاد رحمه الله تعالى لأن الله سبحانه وتعالى جعل المجاهدين أولياءه، في قوله جل وعلا: { يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله } (12) فخالفوا النص القرآني الدال على أن الجهاد في سبيل الله من أسباب تحصيل الولاية، وكونه من أوصاف أولياء الرحمن، ولا بد من ترك الجهاد، فمن جاهد فليس منهم، والقرآن ماذا يدل عليه؟ القرآن يدل على عكس هذا، وهو أن الجهاد من أوصاف أولياء الله سبحانه وتعالى.
ثم قال رحمه الله تعالى: ( ولا بد من ترك الإيمان أيضًا ) هذا لكون الإيمان قد جاء في القرآن: أنه من أوصاف أولياء الله كما في قوله جل وعلا: { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون } .
ثم قال: ( فمن تعهد بالإيمان والتقوى فليس منهم ) أي: من اتصف وحافظ على هذين الوصفين فليس من أولياء الله هؤلاء الأولياء المزعومين، وهؤلاء هم في الحقيقة أولياء الشيطان، لا أولياء الرحمن، لأن أولياء الرحمن هم من وصفهم الله في كتابه، وأما هؤلاء فهم معاندون، معارضون، وكل من ادعى الولاية فلا بد من عرضه على الكتاب والسنة، فإن كان من ادعى الولاية أو أدُّعيت له الولاية، فقد لا يدعي الولاية لنفسه، بحيث لا يقول: إني ولي، لكن قد يزعم اتباعه أنه ولي، فلابد حينئذٍ أن نعرض حال هذا الرجل على هذه الموازين الدقيقة، والمعايير الناطقة المميزة لأولياء الرحمن عن غيرهم، هل هو من المتبعين للكتاب والسنة؟ هل هو من المجاهدين في سبيل الله جهاد السيف والسنان، أو جهاد العلم والبيان؟ وهل هو من الذين آمنوا وكانوا يتقون؟ إذا كان كذلك فهو من أولياء الله، وأما إذا تخلفت فيه هذه الأوصاف فإنه يتخلف فيه من وصف الولاية، بقدر ما تخلف فيه من صفات الولاية، ولذلك كان من كلام السلف: إذا رأيت الرجل يطير في السماء، أو يمشي على الماء، فلا تقل إنه ولي، حتى تعرضه على الكتاب والسنة.
ثم قال رحمه الله تعالى: ( يا ربنا نسألك العفو والعافية، إنك سميع الدعاء ) نعم نسأل الله العفو والعافية، لهذا القلب لما دل عليه الكتاب والسنة، والمعارضة والمعاندة، لما دل عليه كلام الله سبحانه وتعال