فهرس الكتاب

الصفحة 12237 من 27345

قال رحمه الله تعال في بيان ذلك: ( ويكفي في هذا ) أي: في بيان الفرقان بين أولياء الله وأولياء الشيطان، ( آية في سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } (6) فقوله تعالى: { فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } هذا هو المعيار الفارق، والميزان الدقيق، لبيان حقيقة الولاية، فالولاية التي يثبت بها للمؤمن الانتساب إلى الله بالولاية هي: أن يكون متبعًا للنبي- صلى الله عليه وسلم - { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه } فعلى قدر ما يكون مع الإنسان من اتباع هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يكون عنده بقدر ذلك من ولاية الله له، وبقدر ما يحصل منه من التقصير فإنه ينقص عنه من ولاية الله له بقدر ما حصل منه من التقصير، والناس في هذا درجات متفاوتة، لا يحدها وصف، إذًا السمة الأولى لأولياء الله التي يتميزون بها عن غيرهم: هي اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، واتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون في أمرين: فيما فرض، وهذا أول ما يكون، وفيما ندب إليه من الأعمال، وهذه بالدرجة الثانية، ولذلك كان في حديث الولاية قول النبي - صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (( من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ) ) (7) ثم قال بعد أن ذكر جزاء الأولياء، وانتصار الله لهم قال: (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ) )وهذا طريق تحصيل الولاية، (( وما تقرب إلي عبدي بأحبَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ) )فذكر الطريقين اللذين يحصل بهما ولاية الله - عز وجل -، وهذا تفصيل لا إجمال، تفصيل لما أجملته هذه الآية في قوله تعالى: { فَاتَّبِعُونِي } فالاتباع للنبي - صلى الله عليه وسلم - يكون في الفرائض أولًا، لأنها أحب ما يتقرب به إلى الله - عز وجل -، ثم بالنوافل ثانيًا، وهذا في الدرجة الثانية { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه } وإذا أحب الله عبدًا فقد تولاه.

ثم قال رحمه الله تعالى: ( وآية في سورة المائدة، وهي قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } (8) وهذا فيه الإشارة إلى معنى الولاية، وأنها دائرة على المحبة في قوله تعالى: { يُحْبِبْكُمُ اللَّه } (9) وهنا قال: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } ثم ذكر أوصافهم فقال: { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } فذكر ثلاثة أوصاف، الوصف الأول: أذلةٍ على المؤمنين، فلا علو عندهم، ولا استكبار، ولا ارتفاع، الوصف الثاني: أعزةٍ على الكافرين، لا يذلون لهم، لأنَّ معهم سبب العزة، وهو الإيمان بالله ورسوله، الوصف الثالث: الجهاد في سبيل الله، وهو شامل لجهاد النفس، ولجميع أنواع الجهاد، وأعلاها جهاد الكفار المعاندين لله ورسله، هذا من أوصافهم، والجهاد لا يأخذ صورةً واحدة فقط، فلا يقتصر على الجهاد بالسيف والسنان، بل هناك جهاد آخر، قد يكون أعظم منه، وهو جهاد العلم والبيان، فالذي يبلغ شريعة الله - عز وجل - وينصح الناس، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر هو من المجاهدين الذين يدخلون في قوله في هذه الآية في آية المائدة: { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } فهذا يشمل جميع أنواع الجهاد. إذًا الآن زاد عندنا وصف، أو هذا تفصيل؟ بل هذا تفصيل لأن قوله: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه } هذا فيه بيان مجمل هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل شأن، وهنا فيه ذكر صفات خاصة، وتخصيصها لعظيم أثرها في تحقيق وتحصيل الولاية.

ثم قال: وآية في سورة يونس وهي قوله: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } (10) هذا فيه البشارة لهم بانتفاء المخاوف والأحزان عنهم، { لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } هذا فيما يستقبلون { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } هذا فيما مضى، والإنسان إنما يلحقه الأذى من خوف المستقبل، أو فوات الخير في الماضي، فإذا حصل له الأمن من هذين الأمرين: لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، فهو في غاية الطمأنينة والسعادة، ثم بين سبحانه وتعالى من هم أولياء الله فقال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } (11) الذين آمنوا بقلوبهم، فصلحت قلوبهم واستقامت أفئدتهم، وكانوا يتقون في أعمالهم وجوارحهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت