فهرس الكتاب

الصفحة 12240 من 27345

فان قدماء القوم كانوا يقولون إذا أظهر السجود للأصنام وسب الرسول يحكم بكفره ظاهرا لان أحكام الدنيا مبنية على الظاهر ، فان كان مع ذلك مصدقا بقلبه كان مؤمنا عند الله ، وهذا من أحكام الآخرة ولم نخاطب بها ، وأما هؤلاء المحدثون فانهم يقولون لانحكم بكفره حتى يعلن بلسانه انطواء قلبه على الاستخفاف والاستكبار، فأولئك أفسدوا أحكام الآخرة ، وهؤلاء أفسدوها وأحكام الدنيا فانا لله وانا إليه راجعون .

ثم يا قوم ، يا أهل العقول والإنصاف ، ان كنتم تقولون لانكفر ساب الرسول والساجد للأصنام حتى نعلم كونه مستكبرا بقلبه مستخفا ، على مذهب صاحب الكتاب المذكور ، فقد خالفتم سلفكم من المرجئة وخالفتم إجماع أهل السنة كما سيأتي بيانه ، وصرتم كالغراب الذي حاكى الحمامة فأضاع مشيته ، وأخطأ مشيها .

وان كنتم تقولون نكفر ساب الرسول والساجد للأصنام من أهل النطق بالشهادتين ، ولا نسأل عما في قلبه لامتناع أن يكون منه ذلك إلا مع استخفاف واستكبارـ فليت شعري ـ أو ليس الذي يزيح الشريعة بقوة السلطان ، بعد أن كان يحكم بها قضاة الشرع والعلماء ، ثم يعاقب من يحكم بها منهم بالقتل والتشريد والحبس وقطع الأرزاق ، ويأتي بأحكام الطاغوت ، ينصبها حاكمة بين العباد في كل أوجل أمورهم وشئون معايشهم ، فيفرضها فرضا ويحمل الناس عليها ويسوم من يحاربها سوء العذاب ، أفلا يكون هذا أولى بوصف الاستخفاف من ذلك الذي يسجد للصليب أو يسب الدين طامعا في مال ، فما بال القوم يحومون حول هذا الحمى ويخشونه ، أم أن الكفر لا يجتمع والسلطان ، فبينهما تهاجر عظيم الشان.

أو ليس حال أكثر بلاد المسلمين هذا الحال الذي وصفت ، فهل يقدر أحد أن ينصب قاضيا يقضي بالشريعة الإلهية ، إلا ويزج به في أشد العذاب ، ويقولون: أفنحن لانقضي بالعدل حتى تعارض القانون ، أم تريد أن تجعل الشريعة ، بدل قوانيننا الاوربية العريقة ؟!

ثم أتاهم من حيث لم يكونوا يحتسبون من يفتيهم بأن قولوا نحن فيما فعلناه غير مستحلين ولامستخفين ولا معاندين لله رب العاملين ، فتكونون بحمد الله من جملة عصاة الموحدين ، وهل هناك من لايخطيء من المؤمنين ؟

لكنكم مع ذلك من ولاة أمر المسلمين وقد علم مالكم من الحقوق العظيمة ، ونحن معكم كلما فعلتم ما يكفر به ، زدنا لكم شرطا من الشروط يخرجكم من باب التكفير ، لتبقى إمامتكم الإسلامية على الدوام ، ولا تنسونا بعد ذلك ، بالفضل والإنعام ، فصار حال هؤلاء المرجئة ، وحال أهل الحق في دولة الطاغوت ، كما قال الشاعر:

إذا قلت المحال رفعت صوتي وإن قلت اليقين أطلت همسي

وما أصدق وصف الإمام ابن القيم لهذا المذهب الرديء إذ قال:

وكذلك الإرجاء حين تقر بالمعبود تصبح كامل الإيمان

فارم المصاحف في الحشوش وخرب البيت العتيق وجد في العصيان

واقتل إذا ما استطعت كل موحد وتمسحن بالقس والصلبان

واشتم جميع المرسلين ومن أتوا من عنده جهرا بلا كتمان

وإذا رأيت حجارة فاسجد لها بل خر للأصنام والأوثان

وأقر أن الله جل جلاله هو وحده الباري لذي الأكوان

واقر أن رسوله حقا أتى من عنده بالوحي والقرآن

فتكون حقا مؤمنا وجميع ذا وزر عليك وليس بالكفران

هذا هو الإرجاء عند غلاتهم من كل جهمي أخي شيطان

وصار حال الشريعة بين الحكام بالطاغوت ومن يفتيهم بمثل هذه الفتاوى ، كحال الخلافة لما دار عليها ما يدور اليوم على الشريعة ، وحق لنا أن نتمثل قول شوقي:

عادت أغاني العرس رجع نواح ونعيت بين معالم الأفراح

كفنت في ليل الزفاف بثوبه ودفنت عند تبلج الإصباح

شيعت من هلع بعبرة ضاحك في كل ناحية وسكرة صاح

ضجت عليك مآذن ومنابر وبكت عليك ممالك ونواح

الهند والهة ومصر حزينة تبكي عليك بمدمع سحاح

والشام تسأل والعراق وفارس أمحا من الأرض الشريعة ماح

وقد كانت مأساة الخلافة التي بكى عليها شوقي ، ثم دارت على الشريعة ، ثم آل الأمر اليوم إلى إفساد عقائد الناس ، وتهوين ارتكاب الكفر الأكبر ، بتركيبه على مذهب المرجئة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

والمقصود أن في الكتاب المذكور مواضع تحتاج الى تفنيد ، وليس هذا هو موضعه ، ومن العجب أنه بعد الاطلاع على الكتابين المذكورين ، وما فيهما من مطابقة أو مقاربة مذهب أهل الإرجاء ، قرأت لبعض الكتاب من أهل الكويت ممن يطلب علوم الشريعة ، وينتسب إلى عقيدة السلف ، مقالا في صحيفة يقرر فيه أن ما يندفع به وعيد عصاة الموحدين ، يندفع به حكم التكفير بجامع أنهما من الوعيد ، وذلك كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة والشفاعة أو غيب لانعلمه ولم نؤمر أن نبحث عنه ، كما قال بلفظه .

وأظنه قرأ الكتابين فأساء فهم مافيهما من الصواب ، وزاد على ما فيها من الخطأ ، فحاز السيئتين ، وهكذا البدع تبدأ صغارا ثم تؤول كبارا، ولما رددت عليه وبينت أنه يخالف اجماع اهل الاسلام ويقول بما لم يضل به حتى غلاة المرجئة ، رد علي قولي ، وتمسك بما عليه من البهتان ، وظن أننا في مفاخرة في الردود أو مغالبة بين الاقران 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت