ثم بعد هذا كله جرت احاديث في مجالس عديدة حول هذه القضية ، وحصل فيها حوارات كثيرة ، وجرى في هذه المجالس كلام طويل متشعب ، وقرأنا كلاما لاهل العلم من المتقدمين والمتأخرين ،ثم طلب مني بعض الاخوة أن أسوق ما جرى من الكلام سياق الحوار بين اثنين ، أجعل معنى ماقلته في الحوارات طرفا ، وأذكر ما ذكرت من الكلام في المجالس المتفرقة ، وأسوق كلام غيري مساق متكلم واحد ، وأزيد ما يحتاج الى زيادة لتوضيح الكلام وإيصال المعنى بأوضح عبارة ، وأجعل ذلك كله كحديث مجلس واحد تمثيلا للقارئ .
وذلك لتقرب المسألة من صغار الطلبة ويفهمها المبتدئ في تعلم العقيدة السلفية ، فرأيت الإجابة لطلبه ، اقتداء بمن تقدم من أهل العلم في تصوير مسائل العلم على هذا النحو كابن القيم في نونيته وغيرها وغيره من العلماء .
وليس مقصودي شرح جميع مسائل الايمان وبيان الفرق بين مذهب السلف ومذهب غيرهم فيه ، فان ذلك يطول جدا ، وانما أذكر ما جرى حوله غالب أحاديث الحوار ، ويستفيد منه من عنده معرفة بأصول هذا الباب دون غيره ، والله الموفق وعليه التوكل ، وهذه صورة المحاورة .
وأنبه قبل البدء ، إلى أن دراسة هذه القضية إنما تهدف إلى إيقاف طلبة العلم على حقيقة الحكم الشرعي المذكور في الكتاب والسنة في موضوع الإيمان ونواقضة ، وأن هذا من الفرض الواجب ، ولايجوز السكوت عن بيانه حفاظا على الدين الحق من الاندراس واختلاط مفاهيمه الحقه بالباطل ، غير أنه ينبغي لكل مسلم أن يحتاط في باب الحكم على الناس بنقض الايمان ولايقدم عليه الا بعلم ، ولولا انتشار الجهل في هذه القضية ودخول مذهب الإرجاء على كثير من المنتسبين إلى العلم ، من حيث يعلمون أو لا يعلمون ، وخوفا من استقرار البدعة في نفوس كثير من الناس لما كتبت فيها ، فقد صنف العلماء فيها مصنفات كثيرة وأحسن ما كتب من المعاصرين في هذه المسألة الشيخ العلامة سفر الحوالي حفظه الله في كتابه ( ظاهرة الارجاء وأثرها على العالم الاسلامي ) .
محاورة في حقيقة الايمان والفرق بين مذهب أهل السنة فيه ومذهب المرجئة
وهذه صورة المحاورة:
قال: العمل عند السلف شرط كمال في الايمان .
قلت: حكاية هذا عن السلف غلط محض .
قال: ذكره ابن حجر في الفتح عند شرح ترجمة البخاري ( وهو قول وفعل يزيد وينقص ) .
قلت: هات الكتاب واقرأ .
قال: قال ابن حجر ( فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالاركان ، وأرادوا بذلك أن الاعمال شرط في كماله ومن هنا نشأ القول بالزيادة والنقص كما سيأتي ، والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط ، والكرامية قالوا: هو نطق فقط والمعتزلة قالوا: هو العلم والنطق والاعتقاد ،والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الاعمال شرطا في صحته والسلف جعلوها شرطا في كماله ) انتهى
قلت: رحم الله الامام ابن حجر وجزاه عن الاسلام والمسلمين خير الجزاء ، غير أن ما ذكره هنا عن السلف والتفريق بين قولهم وقول المعتزلة لايخلو من نظر ، والصواب خلافه .
قال: كيف يكون هذا ؟ ما ذكره هو ما تعلمناه ، أن العمل شرط كمال ، ولذلك تارك العمل لايكفر ، وتارك التصديق والنطق يكفر .
قلت: بل العمل جزء من حقيقة الايمان والايمان حقيقة مركبة من القول والعمل ، والتولي عن العمل بالكلية زوال لحقيقة الايمان الشرعي ، وتارك العمل بالكلية ليس بمؤمن عند السلف ، والفرق بين قولهم وقول المعتزلة والخوارج أن تارك بعض العمل عند المعتزلة والخوارج ليس بمؤمن ، وجعلوا منه مرتكب مطلق الكبائر ، وأما السلف فيقولون تارك العمل بالكلية ، وتارك ما ينزل منزلة ترك العمل بالكلية كالنواقض العملية مثل ترك الصلاة ـ عند من يقول به ــ ليس بمؤمن ، وأما تارك بعضه الذي لاينزل منزلة تركه بالكلية ، كفعل الكبائر المعروفة ، فانه مؤمن بايمانه فاسق بكبيرته ، هو مسلم فيه مطلق الايمان ، وليس مؤمنا الايمان المطلق الذي يستحق صاحبه الجنة بلا عقاب .
قال: أنت من جماعة التكفير ،وهذا القول هو قولهم ، وقد سمعنا عنكم ، وأنكم أخطر من اليهود والنصارى !! وهذا أوان عرفت حقيقتكم .
قلت: مهلا عفا الله عنك ، اصبر حتى تسمع قولي فربما كان قولي هو الصواب ، وكان قولك هو الخطأ ، ولا تعجل فلربما كان مع المستعجل الزلل .
قال: لا ينبغي أن أسمع من أهل البدع ، فانه يجب هجرهم .
قلت: هلا سمعت مني قاصدا دعوتي الى الحق ، فان أخطأت علمتني وان ضللت هديتني ، فاني أراك لم تهجر من هو أضل مني عندك لاجل دنيا تصيبها ، فهل قد جعلتني أضل الناس ؟
قال: هات نسمع ، ونرد عليك اذا خالفت منهج السلف .
قلت: حقيقة مذهب السلف أنه يتركب مما يلي:
1ـ الايمان قول وعمل يزيد وينقص ، والقول هوقول القلب وهو التصديق ، وقول اللسان وهو النطق بالشهادتين ، والعمل هو عمل القلب والجوارح بما فيها اللسان ، وعمل القلب يدخل فيه الخوف والرجاء والمحبة والتوكل 00الخ .
قال: أما هذا فصواب .