قلت: 2ـ الايمان حقيقة جامعة لهذه الامور ، متركبة منها .
قال: وهذا صواب أيضا ان شاء الله .
قلت: 3ـ المرجئة تقول ( وهو قول أئمتهم المشهورين ) الايمان شيء واحد فقط وهو تصديق القلب ، والنطق بالشهادتين شرط لاجراء أحكام الدنيا عندهم فحسب .
قال: هذا هو قولهم .
قلت: 4ـ اذا كان عمل الجوارح انما هو نتيجة حتمية لعمل القلب وعمل القلب نتيجة لتصديقه مالم يحل بين التصديق وبين العمل القلبي مانع ، فهذا يعني أن عمل الجوارح لازم لعمل القلب لايتخلف تخلفا تاما الا اذا زال عمل القلب زولا تاما .
بمعنى أنه اذا كان يصدق بالله تعالى ربه ومعبوده المستحق للعبادة وكمال الصفات ، فلا بد أن يحبه ويخافه ويرجوه ويتوكل عليه بالتوحيد ، مالم يقم بقلبه مانع الكبر أو غيره.
واذا أحبه وخافه ورجاه وكان حبه وخوفه ورجاؤه لله أعظم ، مما يكون لغير الله ، فلا بد أن يأتي بشيء من مقتضى هذا كله من عمل الجوارح، ولايتخلف عمل الجوارح تخلفا كليا مع وجود عمل القلب ، بلامانع يمنع من تخلفه ، كعدم التمكن مثلا أو مفاجأة الموت ، أو الجهل
قال: أنا موافق على هذا كله ، لا اشكال فيه .
قلت: 5ـ اذن لايمكن افتراض وجود باطن الايمان ( تصديق القلب وعمله ) دون شيء من ظاهرالعمل ، لان حقيقة الايمان مركبة من الامرين أصلا .
قال: فلماذا قالت المرجئة اذن ، بأنه يكون مؤمنا بقلبه ، والعمل خارج عن اسم الايمان .
قلت: لان الايمان عندهم هو التصديق فقط ، فلم يعسر عليهم تصور وجوده مع فقد كل الاعمال بالكلية .
قال: والسلف ؟
قلت: الايمان عندهم تصديق وعمل ، مركب من الامرين ، وعمل الجوارح لازم لعمل القلب ، وكلاهما من الايمان نفسه وداخل مسماه ، ولهذا لا يبقى الايمان مع انتفاء عمل الجوارح كله الا لمانع ، لان انتفاء عمل الجوارح بالكلية بلامانع ، يعني انتفاء عمل القلب بالكلية ، ولايكون الشخص مؤمنا وليس في قلبه شيء من عمل القلب ( خوفه ورجاؤه ومحبته وتوكله 00الخ ) ، فاذن لاايمان مع انتفاء عمل الجوارح بالكلية .
قال: قد يكون الانسان مصدقا بوجود الله تعالى لكن لايحبه ولايخافه ولايرجوه أكبر من محبته وخوفه ورجاءه لغيره .
قلت:فاذن لن يأتي بالعمل الصالح ، الا على صورة يكون فيها العمل مع الشرك بالله ، فهل تسمى هذا مؤمنا ؟
قال: حاشا لله ، بل هو مشرك ، لكن كيف وهو مصدق ؟
قلت: هو مصدق بالله تعالى ، لكن كتصديق ابليس وفرعون ، ليس معه انقياد قلبي لما صدق به ، بسبب مانع منع من الانقياد القلبي الذي تكون معه أعمال القلوب ،ومن الاسباب المانعة: الكبر فابليس استكبر عن الانقياد مع وجود التصديق ، وفرعون كذلك قال الله تعالى عنه ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) ، ولهذا من الكفر مايكون استكبارا لاتكذيبا ، ومن الاسباب المانعة ايثار الحياة الدنيا فيسمع حجة الرسل ويعتقد صدقها بقلبه، ولاينقاد لها لانه لايريد الانقياد لغيره اذا كان ينزعه عن حالة يحبها ويريدها ويؤثرها على اتباع الرسل ، كاتباع ملة آباءه على سبيل المثال ، وذلك مثل أبي طالب ، فانه كان يعتقد صدق الرسول وصحة رسالته لكنه آثر محمدته في قومه ومكانته في قلوبهم على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخشي أن تفوت هذه المكانة فيسبونه ويلومونه اذا اتبعه ، فآثرهذه على الآخرة ، فصار كافرا بتوليه عن الشهادتين ، وان كان يعتقد صدق الرسول .
ولو فرض أن انسانا نطق بالشهادتين وتولى عن الانقياد لها بالعمل توليا تاما لنفس السبب الذي حمل أبي طالب على الامتناع عن النطق لكان حكمه حكم أبي طالب سواء ، ولاينفعه النطق بالشهادتين مع التولي عن العمل بالكلية عند أهل السنة وان كانت المرجئة تعتقد أنه ينفعه .
قال: هذا واضح بحمد الله تعالى ، وهل هو كفر التولي المذكور في القرآن .
قلت: نعم هو كفر التولي، كما في قوله ( فلا صدق ولاصلى ولكن كذب وتولى ) ، فالتصديق قابله بالتكذيب ، وفعل الصلاة التي هي أعظم العمل وتاركها كتارك العمل كله ، قابله بالتولي .
قال: وما تقول المرجئة في مثل أبي طالب ، يقولون كل من حكم الله أو رسوله بكفره فهو مكذب في الباطن ، وان كان يظهر التصديق وهو مكابرة أوقعهم فيها اصرارهم على أن الايمان هو التصديق فقط وضده هو التكذيب فقط .
قال: وماذا يقولون فيما لو صدق رجل بقلبه وامتنع عن النطق هل نحكم عليه بالاسلام أو الكفر ؟ فاذا كنا نحكم عليه بالكفرفقد كفرناه مع وجود التصديق فكيف يجعلون التصديق وحده هو الايمان، واذا كنا نحكم عليه بالاسلام فهو خلاف الاجماع المتيقن .
قلت: يقولون النطق شرط لإجراء أحكام الدنيا فقط ، ولو تركه ثم مات فانه مؤمن عندالله ، هذا قول غلاتهم ، ويقولون:هو مؤمن عند الله ، وان كنا نطبق عليه احكام الكفر ، لاننا مأمورون بالظاهر في إجراء أحكام الدنيا، وبعضهم يقول ( كافر قضاء مؤمن ديانة ) .