فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 27345

دخل بولص المسيحية، وادعى أنه أحد رسل وحواريي عيسى المسيح،"بعد ذهاب المسيح عن العالم، انضم إلى تلاميذه وحوارييه بحيلة ابتكرها، ثم زعم أنه رسول مثلهم (4) ، بالرغم من أنه وكما كتب عن نفسه بقوله"أنا يهودي فريسي ابن فريسي على رجاء قيامة الأموات". ثم بادعائه أنه المعلم كانت له مجموعة رسائل، و"راح يقول في صراحة أنه الوحيد الذي أؤتمن على المسيحية الصحيحة وعلى إنجيل مجد الله المبارك" (5) ."

فعزل بولص المسيح عن اليهود وجعله مسيحيا، وذلك ليستطيع أن يجعل من الإله الذي تجسد ثم صلب فاديًا من أجل خلاص العالم (6) .

وفي هذه العبارات دعوة إلى العالم كله، ومناداة بعالمية دعوة المسيح، ونقل بذلك التوحيد في ديانة بني إسرائيل إلى التثليث، وقال بألوهية المسيح وألوهية الروح القدس … واخترع قصة الفداء للتكفير عن خطايا البشر.

ب- جذور فكرة التثليث:

كما سبقت الإشارة، فإن الاعتقاد بالثالوث الإلهي، أو فكرة التثليث، أو ما يسمى تجسيد الإله في ثلاثة أقانيم، فكرة قديمة كانت موجودة في الوثنيات التي سبقت ظهور النصرانية، وكما هو موجود في الكتب التي أرخت للأديان، فإن كلا من المصريين واليونان، والرومان، والهنود، والصينيين، عرفوا هذه الفكرة بشكل واضح. وتحقيقا للأمر، نورد موجزا عنها في هذه الديانات.

1.في مصر: نجد في أسطورة"أوزيرس"التي قدمت فكرة الإنسان المؤله وفكرة الإله المجسد في هيئة إنسان، وهي فكرة تقديس الآباء، هؤلاء الأباء الثلاثة هم أوزيرس، وإزيس، وحورس، الذين يمثلون الثالوث المصري المقدس (7) . فالعقيدة المصرية القديمة كانت قائمة على تقديس ثالوث مكون من أوزيرس (الأب) وحورس (الإبن) وإيزيس (الأم) ، كما يعتقدون أن الجميع يرجع إلى واحد (8) . كما أن هذه الآلهة تجمع في الغالب في مراكز عبادتها في تساعيات، لكن هناك تصنيف آخر تجمع فيه الآلهة على هيئة ثالوث يرتبط فيه الإله المحلي الرئيسي بزوجته وابنه. ومن الواضح أننا نجد هنا استباقا للعقيدة المسيحية (9) .

2.الديانة البرهمية الهندوسية في الهند: انحصرت آلهتهم في ثلاثة أقانيم، وذلك أنهم توهموا أن للعالم آلهة ثلاثة، وهي؛

أ- براهما: الإله الخالق مانح الحياة.

ب- سيفا أو سيوا: الإله المخرب المفني.

ج- ويشنو أو بشن: وهو الذي حل في المخلوقات ليقي العالم من الفناء التام.

وهذه الآلهة الثلاثة أقانيم لأله واحد في زعمهم، والإله الواحد هو الروح الأعظم، واسمه (آتما) . كما أن بعض الآلهة حل في (كريشنا) ، فحل اللاهوت في الناسوت (كريشنا) ، كما يعبر المسيحيون في المسيح حيث يرون أن اللاهوت حل في عيسى.، ولهذا نجد أقوال المسيحيين تقارب الاعتقاد الذي يعتقده الهندوس في كريشنا حتى أوشكا أن يتطابقا، وإذا كانت البرهمية أسبق من النصرانية المحرفة، فإن اللاحق عادة ما يتأثر بالسابق (10) . وفي حوالي القرن التاسع قبل الميلاد وصل فكر الكهنة الهنود إلى الاقتراب من فكرة الحلول ووحدة الوجود، فقد جمعوا الآلهة في إله واحد يصدر منه العالم (11) . فهو الذي أخرج العالم من ذاته، وهو الذي يحفظه، ثم يهلكه ويرده إليه، وأطلقوا عليه ثلاثة أسماء؛ براهما: من حيث هو موجد، وفنشو: من حيث هو حافظ، وسيفا: من حيث هو مهلك (12) . وهكذا فتح الكهنة الهنود الباب أما النصارى ليقولوا بالثلاثة في واحد، وواحد في ثلاثة، أي بالتثليث.

3-البوذية والتاوية في الصين؛ بالرغم من أن بوذا كان هنديا إلا أن معظم أتباع البوذية هم من غير الهنود، بل من الصينيين واليابانيين والكوريين وغيرهم، ويعتبر بوذا مؤسس الديانة البوذية، وقد أحيطت حياته بالقصص والأساطير، مثلما فعل النصارى بحياة عيسى عليه السلام فيما بعد، إذ زعم البوذيون أن أم بوذا بشّرت به في منامها، وأن ولادته سبقتها معجزات، وأن الإله حل فيه (13) . وتعتبر فكرة الحلول أهم فكرة وأكثرها مركزية في البوذية، وهذه أدت إلى ما يسمى بفكرة التناسخ، أو الميلاد المتكرر للروح، لتحل في الروح الأعظم، الذي هو بوذا.

أما التاوية التي تأسست على يد (لاو تسي-Lao-tse) فإن"أهلها يعتقدون أن العالم خلق من إله السماء (الإله الأب) وإله الأرض (الإله الأم) ، أما (تاو) الذي يعني الطريق، فإنه المظهر الذي تتجسد فيه الحقيقة العظمى، و (تاو) تصدر عنه الوحدانية، والوحدانية يصدر عنها الثنائية، والثنائية يصدر عنها التثليث، ومن التثليث يُخلق كل شيء" (14) .

ومما سبق يتضح أن فكرة التثليث كانت سائدة عند أهل كل الديانات الوثنية القديمة، وكما يذكر الأستاذ أحمد شلبي"أن عقيدة الثالوث ترجع إلى أكثر من خمسة عشر قرنا قبل مولد المسيح" (15) .

جـ- ماهية التثليث عند النصارى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت