فهرس الكتاب

الصفحة 25586 من 27345

ثم لدينا واقعة شائكة أخرى تعكس بشكل صريح حجم النفاق الذي أحاط بالمسألة منذ الوهلة الأولى وهي ازدواجية المعايير بشأن تحديد الخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها في مجال التعبير، إذ أن بعض الدول الأوروبية سنت قوانين تمنع منعا باتا التطرق"بصورة منبوذة"إلى مواضيع حساسة كالمحارق النازية مع أن الأخيرة مسألة تاريخية تحولت بحكم المصالح السياسية والإيديلوجية إلى حرام ممنوع الاقتراب إليه. وليس من الصدف أن نجد العناصر الغربية الأكثر امتعاضا من احتجاجات الشارع في الدول الإسلامية تبادر إلى الغلو والتعدي السافر على الدين الإسلامي لمجرد أنهم مقتنعون بأن هناك صراعا مديدا بين الحضارة المسيحية المتطورة السموحة والحضارة الإسلامية الكظيمة المتحجرة !! (أو"الكيان الإسلامي"كيفما يفضلون تسميتها لأنهم يحجمون عن إعدادها حضارة) !!. ولسنا نحن من الداعين إلى معاقبة المسؤولين عن نشر وقائع يراها البعض مشينة وإنما نطالب باحترام الأسس التي تضمن حرية الرأي مشددين في الوقت ذاته على حق كل إنسان يعتبر نفسه مهانا أو معرضا للشنيعة في اللجوء إلى الوسائل القانونية المعترف بها، إلا أنه من غير المستحسن تجريح المشاعر الدينية خدمةً لمصالح مشكوك فيها تهدف أكثر ما تهدف إلى تغذية نظرية الاصطدام والقطيعة وتحويل الإسلام إلى عدو العصر الحديث.

ومما يثبت هذا النفاق الغربي السافر القرارات التي اتخذتها بعض الحكومات في سبيل منع فضائيات عربية وإسلامية أن تباشر بثها الفضائي في أوربة لأنها تنشر على حد زعم تلك الحكومات الكذب والبهتان على القيم الحضارية الغربية، أو الملاحقة التي تعرضت لها قناة الجزيرة الموصومة بتشجيع الإرهاب لبثها خطابات الزعماء الإسلاميين المتطرفين"المجرمين"أو لتقديم أخبار معينة عن تجاوزات القوات المحتلة في أفغانستان والعراق، وكأن تلك الحكومات مستعدة لتعددية الآراء ما دامت الآراء تتوافق بشكل أو آخر بمنظورها الخاص للواقع. والأسوأ بالنسبة لسمعة الآلية الدعائية الغربية أن قسما من المواطنين الغربيين خصوصا الأوروبيين باتوا يخشون أن تكون الأخبار المشاعة من وسائل الإعلام الإسلامية صحيحة أو شبه صحيحة وإن كانت لهجتها مفعمة بالإنشائية والغلو، أي أن سبب الحملة عليها ليس دحض الباطل وإنما الحيلولة دون إجراء تحليل دقيق للسياسة الخارجية الغربية في العالم الإسلامي.

بيد أن مظاهر النفاق الغربية تلقى موقفا انعكاسيا مقابلا وموازيا لها في التطرف والتعصب في الجانب المقابل حيث لمسنا رغبة جلية لدى بعض الدوائر الإسلامية الرسمية وغير الرسمية في تحريك القضية والصيد في المياه العكرة. ومما يزيدنا تشكيكا في دوافع تلك الدوائر أن الرسوم عرضت في بعض الصحف الأردنية واليمنية والمصرية في وقت سابق دون أن تثير لغوا يذكر إلا عندما اتسعت رقعة الأزمة وتذكر الجميع أن جرائد معينة قد أفسحت المجال لهذه الحملة الشنيعة على الدين الإسلامي. ولقد استمعنا إلى تصريحات رؤساء التحرير لدى الجرائد المعنية فألفيناهم جميعا مشددين على ضرورة إظهار هذه الرسوم لإثبات بشاعتها ومدى سخفها في آن واحد وليس الإساءة إلى أحد. وأشار البعض إلى أن مشاركة عدد من الأنظمة العربية في الجدال وتقديم الاحتجاج الرسمي أمام الحكومة الدانمركية دليل على اضطرار الأنظمة العربية إلى منافسة الحركات الإسلامية الصاعدة وتجريدها من ورقة الانفراد بالدفاع عن قيم الأمة ومقدساتها. وربما يفسر هذا الاعتقاد أحداث الشغب المسجلة في سوريا وليبيا حيث أجريت مسيرات شعبية يُعتقد أنها حظيت أساسا بمباركة السلطات المحلية، والكل يعرف أن الأنظمة العربية خبيرة في سبل منع المظاهرات وإرهاب المشاركين فيها إذا أعدّت هذه المسيرات تهديدا لمصالحها أو لروابطها القوية بالقوى الحليفة كالولايات المتحدة. إن محاولة السيطرة على القضية الدينية وتهميش الإسلاميين في هذا المجال محاولة سبق أن باءت بالفشل في العقود الماضية. وليس من المعقول أن يسمح الحكم للتيار الإسلامي بقدر من البطولة الاجتماعية المقيدة لاحتواء الغليان الشعبي في حين تسعى السلطة إلى وضع العراقيل أمام انضمام القوى السياسية المناهضة إلى اللعبة السياسية، ولقد تراجعت المسيرة الانفتاحية الإصلاحية إلى ظاهرة شكلية لا معنى لها في معظم الدول العربية إن لم نقل جميعها. ويحيرنا أن نرى الجماهير الملتهبة تجوب الشوارع دفاعا عن شعائرها الدينية، وثمة ما يبرر غضب هذه الجماهير لأنّ هذه الرسوم مشبوهة الغرض مست لديها الرمز الأعظم لعقيدتها ودينها ، بينما لم نكد نلاحظ مسيرات حاشدة تبلغ الحدة نفسها في أعقاب قصف أفغانستان أو احتلال العراق أو فضائح أبي غريب والاساآت المتكررة للقرآن الكريم في غوانتانمو أو أي من المواقع التي قتل وجرح وعذب وأهين فيها ألوف المسلمين الأبرياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت