فهرس الكتاب

الصفحة 2270 من 27345

وكان بعض الفقهاء بها (أي بقرطبة) : (أبو زيد) ، و (عبد الأعلى بن وهب) ، و (ابن عيسى) ، قد توقفوا عن سفك دمه، وأشاروا إلى أنه عبث من القول يكفي فيه الأدب، وأفتى بمثله القاضي حينئذ (موسى بن زياد) ، فقال (ابن حبيب) : دمه في عنقي، أيشتمُ ربًا عبدناه، ولا ننصر له؟ إنا إذًا لعبيد سوء، وما نحن له بعابدين، وبكى، ورفع المجلس إلى الأمير بها (عبد الرحمن بن الحكم) الأموي (ت282ه) .

وكانت عجَب عمة هذا المطلوب من حظاياه (أي من أحب الزوجات لعبد الرحمن بن الحكم) ، وأُعلم باختلاف الفقهاء، فخرج الإذن من عنده بالأخذ بقول (ابن حبيب وصاحبه) ، وأمر بقتله، فقُتل وصُلب بحضرة الفقيهين: (ابن حبيب وأصبغ) ، وعزل القاضي لتهمته بالمداهنة في هذه القصة، ووبّخ بقية الفقهاء وسبّهم) (11) .

ولنا وقفة يسيرة مع هذه القصة فإن ابن أخي (عجب) تلفّظ بعبارة تقتضي استخفافًا بالربّ جل جلاله، وقد لا تكون صريحة في ذلك، والرجل لم يجاهر بهذه العبارة عبر إعلام مقروء أو منطوق أو نظم أو منثور، ومع ذلك فهذه العبارة في غاية النشاز والاشمئزاز في المجتمع الإسلامي آنذاك، فلم يقبلها بالكلية، بل ونفر منها تمامًا، حتى بلغت أهل العلم في قرطبة فاجتمعوا لها فحكموا على صاحبها.

وأخيرًا: تتجلى روعة الموقف عندما يمضي (عبد الرحمن بن الحكم الأموي) حكم القتل على ابن أخي زوجته (عجب) وهي أحب زوجاته إليه، ولا يكتفي بذلك بل ويعزل القاضي متهمًا له بالمداهنة، ويعاتب بقية الفقهاء.

فانظر رعاك الله إلى أثر الولاية الشرعية في تحقيق حفظ الدين وإقامة حكم الله - تعالى - على من تطاول على دين الله - تعالى - .

وأما السبب الرابع في ظهور الردة، فإن الفوضى الفكرية التي يعيشها العالم المعاصر، والاضطراب الهائل في المفاهيم، والتناقض المكشوف في المعتقدات والمبادئ كان سببًا في الإخلال بالثوابت والتمرد على الدين والأخلاق.

لقد وجد الانسلاخ من الدين في العالم الغربي، والخروج عما استقر في الفطر السليمة والعقول الصحيحة، وأجلب أعداء الله - تعالى - بخيلهم ورجلهم، وسعوا إلى بث هذا الانحراف في بلاد المسلمين، وجاء أقوام من هذه الأمة يتتبعون مسلك أولئك المنتكسين حذو القذة بالقذة.

فلا عجب أن تظهر الحداثة مثلًا في بلاد المسلمين، بعد أن ظهرت في العالم الغربي، والتي تنادي برفض ما هو قديم وثابت، بما في ذلك المعتقدات والأخلاق وتغيير المسلّمات والحقائق الثابتة، وضرورة التحول والتطور من الأفكار القديمة إلى مواقف مستنيرة.

ثم (تؤصل) هذه الردة، وتقصّد، وتنشر في الآفاق عبر ملاحق أدبية، ومجلات متخصصة، ومن خلال محاضرات وندوات ومهرجانات.

وأخيرًا:

فإن تقصير بعض علماء أهل السنة ودعاتهم تجاه هذا الانحراف الخطير الردة كان سببًا مساعدًا في ظهوره واستفحاله، فلو أن علماء أهل السنة ودعاتهم قاموا بواجب التبليغ لدين الله - تعالى -، وإظهار عقيدة التوحيد، والتحذير من الردة وأنواعها ووسائلها لما كان لمظاهر الكفر أن تنتشر كما هي عليه الآن.

إن الناظر إلى إخواننا من أهل السنة يرى تواكلًا وكسلًا، وتحميلًا للتبعات والمسؤوليات على الآخرين، وتلاومًا فيما بينهم، ألا فليجتهد الجميع في الحرص على ما ينفع، وأن نسعى في تبليغ ديننا والتحذير مما يضاده ويناقضه (ورحم الله من أعان على الدين ولو بشطر كلمة، وإنما الهلاك في ترك ما يقدر عليه العبد من الدعوة إلى هذا الدين) (12) .

الهوامش:

(1) تحدث الفقهاء - رحمهم الله - عن هذه المسائل تفصيلًا، وألفت رسائل علمية مطبوعة في أحكام المرتد، منها: أحكام الردة والمرتدين لجبر الفضيلات، وأحكام المرتد لنعمان السامرائي

(2) انظر: فتح الباري، 13/272.

(3) أخرجه البخاري.

(4) البداية 10/149.

(5) الشفا، 2/1091.

(6) البداية والنهاية، 11/143.

(7) البداية، 14/122.

(8) الصارم المسلول، 3/696.

(9) شرح هذه الرسالة غير واحد، ومن أفضل الشروح: (التبيان شرح نواقض الإسلام) للشيخ سليمان بن ناصر العلوان.

(10) العواصم من القواصم، ص 247.

(11) الشفا، 2/1093، 1094.

(12) هذه العبارة سطّرها العلامة عبد الرحمن السعدي، في القول السديد، ص 36.

د.عبد العزيز آل عبد اللطيف

آخر تحديث ( 05-06-2004 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت