فهرس الكتاب

الصفحة 15500 من 27345

والذي يلقيه الشيطان في النفس لا يخرج فيما كان ودخل في الوجود لو كان على خلاف ذلك وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، أو فيما يملك الفكر فيه من أنواع الفواحش والحرام ، أو في خيالات وهمية لا حقيقة لها ، وإما في باطن أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوي عنه علمه فيلقيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غاية ولا يقف منها على نهاية ، فيجعل ذلك مجال فكره ومسرح وهمه .

وجماع إصلاح ذلك أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار ، وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها ، وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادته وطرح إرادة ما يضرك إرادته ، وعند العارفين أن تمني الخيانة و إشغال الفكر والقلب بها أضر على القلب من نفس الخيانة ، ولا سيما إذا فرغ قلبه منها بعد مباشرتها ، فإن تمنيها يشغل القلب بها ويملؤه منها ويجعلها همه ومراده .

وأنت تجد في الشاهد أن الملك من البشر إذا كان في بعض حاشيته وخدمه من هو متمن لخيانته مشغول القلب والفكر بها ممتلئ منها ، وهو مع ذلك في خدمته وقضاء أشغاله ، فإذا اطلع على سره وقصده مقته غاية المقت وأبغضه وقابله بما يستحقه ، وكان أبغض إليه من رجل بعيد عنه جنى بعض الجنايات ، وقلبه وسره مع الملك ، غير منطو على تمني الخيانة ومحبتها والحرص عليها ، فالأول يتركها عجزًا واشتغالًا بما هو فيه ، وقلبه ممتلئ بها ، والثاني يفعلها وقلبه كاره لها ليس فيه إضمار الخيانة ولا الإصرار عليها ، فهذا أحسن حالًا وأسلم عاقبة من الأول .

وبالجملة فالقلب لا يخلو قط من الفكر إما في واجب آخرته ومصالحها ، وإما في مصالح دنياه ومعاشه ، وإما في الوساوس والأماني الباطلة والمقدرات المفروضة .

وقد تقدم أن النفس مثلها كمثل رحى تدور بما يلقي فيها ، فإن ألقيت فيها حبًا دارت به ، وإن ألقيت فيها زجاجا وحصى و بعرًا دارت به ، والله سبحانه هو قيم تلك الرحى ومالكها ومصرفها وقد أقام لها ملكًا يلقي فيها ما ينفعها فتدور به ، وشيطانيًا يلقي فيها ما يضرها فتدور به ، فالملك يلم بها مرة ، والشيطان يلم بها مرة ، فالحب الذي يلقيه الملك إبعاد بالخير وتصديق بالوعد ، والحب الذي يلقيه الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد ، والطحين على قدر الحب ، وصاحب الحب المضر لا يتمكن من إلقائه إلا إذا وجد الرحى فارغة من الحب النافع ، وقيمها قد أهملها وأعرض عنها ، فحينئذ يبادر إلى إلقاء ما معه فيها .

وبالجملة فقيم الرحى إذا تخلى عنها وعن إصلاحها وإلقاء الحب النافع فيها وجد العدو السبيل إلى إفسادها وإدارتها بما معه ، وأصل صلاح هذه الرحى بالاشتغال بما يعنيك ، وفسادها كله في الاشتغال بما لا يعنيك ، وما أحسن ما قال بعض العقلاء: (( لما وجدت أنواع الذخائر منصوبة غرضًا للمتالف ، ورأيت الزوال حاكمًا عليها مدركا لها انصرفت عن جميعها إلى ما لا ينازع فيه ذو الحجى أنه أنفع الذخائر وأفضل المكاسب وأربح المتاجر - والله المستعان ) ).

قال شقيق بن إبراهيم: (( أغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء: اشتغالهم بالنعمة عن شكرها ، ورغبتهم في العلم وتركهم العمل ، والمسارعة إلى الذنب وتأخير التوبة ، والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بفعالهم ، وإدبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها ، وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها ) ).

قلت: وأصل ذلك عدم الرغبة والرهبة ، وأصله ضعف اليقين ، وأصله ضعف البصيرة ، وأصله مهانة النفس ودناءتها واستبدال الذي هو أدني بالذي هو خير ، وإلا فلو كانت النفس شريفة كبيرة لم ترض بالدون ، فأصل الخير كله بتوفيق الله ومشيئته وشرف النفس ونبلها وكبرها .

وأصل الشر خستها ودناءتها وصغرها قال تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } أي: أفلح من كبرها وكثرها ونماها بطاعة الله ، وخاب من صغرها وحقرها بمعاصي الله

فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة ، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار ، فالنفس الشريفة العلية لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش ولا بالسرقة والخيانة لأنها أكبر من ذلك وأجل ، والنفس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها

وهذا معنى قوله تعالى: { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ } أي: على ما يشاكله ويناسبه ، فهو يعمل على طريقته التي تناسب أخلاقه وطبيعته .

وكل إنسان يجري على طريقته ومذهبه وعادته التي ألفها وجبل عليها ، فالفاجر يعمل بما يشبه طريقته من مقابلة النعم بالمعاصي ، والإعراض عن المنعم . والمؤمن يعمل بما يشاكله من شكر المنعم ومحبته والثناء عليه والتودد إليه والحياء منه والمراقبة له وتعظيمه وإجلاله .

الفوائد ص224-230

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت