فهرس الكتاب

الصفحة 15502 من 27345

وسبحان الله.. أيحتاج الناسُ إلى دليلٍ.. على انبِعاثِ الحياةِ.. بعد المماتِ.. وهم يرونَ ما في هذا المطرِ المتدفِّق من السماءِ.. من بالخيرِ والنماء؟! فهذا أمرٌ مُشاهَدٌ في الآفاقِ والأنفُسِ على السواء. قال ابنُ كثير رحمه الله:"وقوله: (وترى الأرضَ هامِدةً) هذا دليلٌ آخر على قُدرتِه تعالى على إحياءِ الموتى كما يحيي الأرضَ الميتة الهامدة: وهي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء، وقال قتادة: غبراء متهشمة، وقال السدي: ميتة (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) : أي فإذا أنزل الله عليها المطر (اهتزت) أي تحركت بالنبات وحَيِيَت بعد موتها، (ورَبت) : أي ارتفعت لما سكن فيها الثرى؛ ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفُنونِ مِن ثِمارٍ وزُرُوعٍ وأشتاتِ النباتات في اختلافِ ألوانِها وطُعُومِها وروائحِها وأشكالِها ومَنافعِها؛ ولهذا قال تعالى: (وأنبتَتْ مِن كلِّ زَوجٍ بَهِيج) : أي حسن المنظر طيِّب الريح. وقوله: (ذلك بأنَّ الله هو الحقُّ) : أي الخالقُ المدبِّرُ الفعَّال لِما يشاء (وأنه يحيى الموتى) أي كما أحيا الأرض الميتة وأنبت منها هذه الأنواع؛ (إنَّ الذي أحياها لَمُحْيِي الموتى إنه على كلِّ شيءٍ قدير". [14]

فعَجبًا.. لِعَبدٍ لا يُذكِّرُه نزولُ المطرِ.. برحمةِ الله البالغةِ في بعثِ الحياة.. من الماءِ! ولا يدفعُه ذلك إلى اليقين بالبعث بعد الموت (وإنْ تَعجَبْ فعَجَبٌ قولُهم أئذا كنَّا تُرابًا أئنا لَفِي خَلْقٍ جديد) . [15] قال ابن الجوزي رحمه الله:"إنَّ الله تعالى دلَّهم على إحيائه الموتى بإحيائه الأرض؛ فقال تعالى: (وترى الأرضَ هامدة) ". [16] وقال ابنُ القيم رحمه الله:"جعلَ الله سُبحانه إحياءَ الأرضِ بعد موتِها نظيرَ إحياءِ الأمواتِ، وإخراجَ النباتِ منها نظيرَ إخراجِهم من القُبور، ودلَّ بالنظيرِ على نَظيرِه، وجعلَ ذلك آية". [17]

وقال ابن كثير رحمه الله:"قوله (ومن آياته) : أي على قُدرتِه على إعادةِ الموتى (أنك ترى الأرضَ خاشِعةً) : أي هامدة لا نبات فيها؛ بل هي ميتة (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) : أي أخرجَت من جميعِ ألوانِ الزروعِ والثمار (إنَّ الذي أحياها لَمُحيِي الموتى إنه على كلِّ شيءٍ قَدير) ". [18]

وقد مثَّلَ النبي صلى الله عليه وسلم استجابةَََ الناسِ لهديه صلى الله عليه وسلم باستجابةِ الأرضِ للماء، فقال صلى الله عليه وسلم: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثلِ الغيثِ الكثير أصاب أرضًا؛ فكان منها نقيّةٌ قَبِلَت الماء؛ فأنبَتَت الكلأ والعُشبَ الكثير، وكانت منها أجادِبُ أمْسَكَت الماء؛ فنَفعَ الله بها الناس: فشربوا وسقَوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قِيعانٌ لا تُمسِك ماءً ولا تُنبت كَلأً. فذلك مَثلُ مَن فقُهَ في دِينِ الله ونَفعَه ما بَعَثَنِي الله به؛ فعَلِم وعَلَّم، ومَثلُ مَن لم يَرفَعْ بذلك رأسًا؛ ولم يَقبَلْ هُدى الله الذي أُرسِلْتُ به) . [19]

فالمطرُ حياةٌ.. للأرضِ والنباتِ.. والعقولِ والقلوبِ المتفكِّرة في خلقِ السموات والأرضِ والمتأملة في نعمة المطر! وتأمل ذلك في سنوات الجفاف والقحط.. حين ييبس النبات.. وتموت الأشجار.. ويهلك الحيوان.. ويظمأ الإنسان.. ويُهرَعُ الناس إلى صلوات الاستسقاء.. يدعون ربَّهم خوفًا وطمعًا.. ويرفعون أيديَهم يرجون رحمتَه ويخافون عذابَه.. يسألون الله أن يرسل عليهم الغيث، ولا يجعلهم من الآيسين القانطين!

ولله دَرُّ الشاعر حيث قال:

وقد كان المطر حاضرًا في قاموس المديح للحاكم الصالح، كما قيل:

وفي أدبِ الواعظين المصلِحِين، كما قيل:

وقد شَبَّهَ الشعراءُ في مَدائحِهم المحسِنين المتصدِّقين بالغيث النافع، ومِن مَحاسنِ ذلك قولُ صفي الدين الحلي:

ومِن نِعمةِ الله على الناسِ.. أنْ يُرسِلَ الرياحَ مُبشراتٍ بالمطر، وأن يُبشِّرَهم في حياتِهم كذلك.. بحصولِ آمالِهم وبلوغِ أمانيهم وتحقيقِ أحلامِهم واستجابة دُعائهم.. كما قال عز وجلَّ: (وادعوه خوفًا وطمعًا إنَّ رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين وهو الذي يُرْسِلُ الرياحَ بُشرى بين يَدَيْ رَحْمَتِه حتى إذا أقلَّت سحابًا ثِقالا سُقناه لبلدٍ ميتٍ فأنزلنا به الماءَ فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكَّرون والبلدُ الطيبُ يخرج نباتُه بإذنِ ربِّه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا كذلك نُصَرِّفُ الآياتِ لقومٍ يشكرون) . [20]

ومن نظرَ إلى آثارِ رحمةِ الله.. وَجدَها في إحياءِ الأرضِ والنبات.. وفي إحياءِ القلوب.. ببشائر الخير وشآبيبِ الرحمة؛ وقد قال أبو منصور الثعالبي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت