فهرس الكتاب

الصفحة 15503 من 27345

وقد أمرَ الله عز وجل بالنظر والتذكر في هذا المقام؛ فإنه مقامُ رحمةٍ بالغةٍ ونعمةٍ سابغة، فقال جلَّ جلالُه: (الله الذي يُرسِلُ الرياحَ فتُثيرُ سَحابًا فيَبسطُه في السماء كيف يشاء ويجعلُه كِسَفًا فترى الوَدْقَ يخرج من خلالِه فإذا أصاب به من يشاء من عبادِه إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبلِه لمبلسين فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرضَ بعد موتِها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير) . [21] وقال تعالى: (وهو الذي أرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرَى بين يَدَيْ رَحْمَتِه وأنزَلْنا من السماءِ ماءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ به بَلْدةً مَيتًا ونُسْقِيَه مما خلَقنا أنْعامًا وأناسِيَّ كثيرًا ولقد صَرَّفْناه بينَهم ليذَّكَّروا فأبى أكثرُ الناسِ إلا كُفُورًا) . [22]

فما ينبغي للعبد.. أن يقنط.. وهو يرى آثارَ رحمة الله.. بل الواجب أن يفرحَ ويستبشرَ، قال ابن كثير:"قوله (بين يدي رحمته) : أي بين يدي المطر، كما قال (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد". [23] وقال القرطبي رحمه الله:"(ومِن آياتِه أن يُرسِلَ الرياحَ مُبَشِّراتٍ) : أي ومن أعلام كمال قدرته إرسال الرياح مبشرات: أي بالمطر لأنها تتقدمه... (وليذيقكم من رحمته) يعني الغيث والخصب". [24]

فلا تقنط أيها العبدُ المؤمنُ.. مِن رحمةِ الله.. فإنَّ رياحَ الرحمةِ قد هبَّت.. تحملُ الغيثَ النافع، فارفعْ رأسَك إلى السماء؛ وادْعُ ربَّك الذي (يرسلُ الرياحَ مُبشِّرات) قال ابن كثير:"أي بمجيءِ السحابِ بعدها، والرياح أنواعٌ في صفاتٍ كثيرةٍ من التسخير: فمنها ما يُثِيرُ السحابَ، ومنها: ما يحمله، ومنها: ما يسوقه، ومنها: ما يكون بين يدي السحاب مُبشِّرا، ومنها ما يكون قبل ذلك يقم الأرض، ومنها: ما يلقح السحاب ليمطر". [25]

ولكِنْ.. كُنْ من المحسِنين المتمَسِّكين بالكتابِ والسُّنة؛ (إنَّ رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين) . [26] فالخيرُ كلُّه في الإقبالِ عليهما، والحرمانُ كلُّه في الإعراضِ عنهما، ورَحِمَ الله ابنَ القيم ما أحْسَنَ قولَه:"سُبحانَ الله! ما حُرِمَ الْمُعرِضُون عن نُصوصِ الوحيِ، واقتباسِ العِلمِ من مِشْكاتِه مِن كُنُوزِ الذخائر؟! وماذا فاتَهم مِن حياةِ القُلُوبِ واستِنارةِ البَصائر؟!" [27]

[1] الأنبياء 30.

[2] الواقعة 68-70.

[3] الملك 30.

[4] تفسير القرآن العظيم 3/437.

[5] الحج 5.

[6] الجامع لأحكام القرآن 12/13-14.

[7] البقرة 164. وفي الجاثية 5: (وما أنزلَ الله من السماء من رزقٍ فأحيا به الأرضَ بعد موتِها) .

[8] النحل 65.

[9] العنكبوت 63.

[10] يس 33.

[11] ق 9-11.

[12] فاطر 9.

[13] الروم 19.

[14] تفسير القرآن العظيم 3/209.

[15] الرعد 5.

[16] زاد المسير 5/408.

[17] إعلام الموقعين لابن القيم 1/144.

[18] تفسير القرآن العظيم 4/103.

[19] رواه البخاري في كتاب العلم. فتح الباري 1/236.

[20] الأعراف 56-58.

[21] الروم 48-50.

[22] الفرقان 48-50.

[23] تفسير القرآن العظيم 2/223.

[24] الجامع لأحكام القرآن 14/43.

[25] تفسير القرآن العظيم 3/321.

[26] الأعراف 56.

[27] مدارج السالكين 1/5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت