فهرس الكتاب

الصفحة 8910 من 27345

ثم هذا هو عالم الطبيعة, ومؤسس علم الضوء في كتابه الأشهر"المناظر"ذلكم هو الحسن بن الهيثم الذي يحكي عن نفسه فيقول:"اشتهيت إيثار الحق، وطلب العلم، واستقر عندي أنه ليس ينال الناس من الدنيا شيئًا أجود, ولا أشد قرابة إلى الله من هذين الأمرين."

ولعلنا نذكر أن كتب الكندي التي كان يوجهها إلى الخليفة المعتصم, وابنه احمد كان يستهلها ويختتمها جمعيا بالدعاء إلى الله بالتوفيق لطالب المعرفة؛ لأن التأييد والتوفيق والعون من الله تعالى، خالق كل شيء، والمبدع المدبر، الفاعل القادر، مما يشير إلى تأصل الروح الإسلامية في قلب الكندي، وإلى عقيدته التي يؤمن بها، ويخلص لها، ويدعو إليها.

أما ابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية - ونسبت في غفلة من الزمن إلى العالم الانجليزي هارفي - فقد نصحه طبيبه المختص - في مرض وفاته - بتناول قليل من النبيذ كدواء، لكن ابن النفيس رفض شرب الخمر ولو دواء قائلا:"لا أريد أن ألقى الله وفي بطني شيء من الخمر"فما أصدق الإيمان !!.

وطيب الله ثرى العالم الكيميائي المسلم الأشهر جابر بن حيان الذي كثيرا ما صرح بأن مصدر علمه هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم, فيقول مثلا في المقالة الرابعة والعشرين من كتاب"الخواص الكبير":"فو الله مالي في هذه الكتب إلا تأليفها ، والباقي علم النبي صلى الله عليه وسلم"وعلى هذا الضوء يمكن أن نفهم اسم الكيمياء الذي أطلق على أبحاث جابر إذ هو اسم معرب من اللفظ العبراني, واصله: كيم يه - أي"إنه من الله".

وقد عنى جابر بن حيان بأبرز السلوكيات العلمية التي ينبغي أن يتحلى بها العلماء، وقد كان الإسلام عنده أهم مصدر يجب أن يستمد منه العالم أخلاقه، وكم نصح العلماء في مقالته آنفة الذكر بأن يثابروا على البحث العميق، والدرس الدقيق مهما اشتد العناء دون يأس، ثم هو يستشهد في هذا بقول الله عز وجل:"ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" (الآية 87 سورة يوسف) .

وأنت تحس عند هذا العالم المسلم الجليل بقوة الدافع الديني نحو البحث العلمي في وصيته التي يرويها عن أستاذه جعفر الصادق"ومنها قوله لمن يريد أن يكون باحثًا عالمًا:"ابدأ الطهر بأن تفيض على بدنك ماء نظيفا في موضع نظيف، ثم تلبس ثيابا طاهرة نظيفة, ثم تستخير الله ألف مرة, وتقول في استخارتك: اللهم ! إني أستخيرك في قصدي فوفقني، وأزغ الشيطان عني إنك تقدر عليه ، ولا يقدر عليك"."

ثم تستمر الوصية في النصح بالصلاة والابتهال والدعاء العميق ومنه:"اللهم إني قد مددتهما إليك - أي يديه ـ طالبا مرضاتك، وأسألك ألا تردهما خائبتين".

ويستطرد الدعاء كما يلي في ضراعة ضارعة:"اللهم ! إني قصدتك فتفضل علي بموهبة العقل الرصين، وإرشادي في مسلكي إلى الصراط المستقيم".

فأكرم بهؤلاء من قوم طلبوا العلم لله! فرفعهم الله بعلمهم، ولم يطلبوه شهوة في شهرة، أو طمعا في مال، أو زلفى إلى جاه أو سلطان..

كما طلبوا العلم للعمران، وهو مناط خلافة الإنسان في الأرض وليس للدمار والفناء، وهكذا اتفق نبل الدافعية الإيمانية, ونبل الغاية العصماء, إذ انتشر العلماء والمسلمون في الأرض, فانتشر في ركابهم ما أفاء الله به عليهم من معرفة بناءة, وعلم مفيد.

والله أعلم بمارده حين يضع العلماء في موقف خشيته، وتقواه إذ يقول عز وجل: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (الآية 28 سورة فاطر ) .

وأي موقف أرقى وأسمى من هذا الموقف, ولعلنا ندرك أن الخشية هنا ليست مجرد موقف سلبي، ولكنها عمل إيجابي فعال, إنها سلوك نابع من طاعة الله, والائتمار بأمره, والانتهاء بنهيه، والإيمان به بعقيدة راسخة، والقيام على شريعته, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر.

ذلك أن العلماء ..يدركون مواطن العظمة في الشهادة ( أي ما يرى أو يدرك بالحواس ) , فيستدلون بها على مواطن العظمة في الغيب، وهي مسائل تحتاج إلى المعاناة العقلية، والمجاهدة النفسية التي لا قبل بها إلا لأولى العزم ..وقليل ما هم.

ويذكرنا هذا بسحرة فرعون الذين ألقوا ساجدين من خشية الله"قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون" (الآيتان 121 ، 122 سورة الأعراف ) وذلك عندما أدركوا ـ وهم العلماء الخبراء في فنهم ـ أن ما أتى به موسى ليس هو بالسحر، ولكنه الآية المعجزة من رب العالمين.

ولله ما أوثق الرباط بين التقوى الحقة والعلم الحق في قول الله سبحانه وتعالى:"واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم"(الآية 282 سورة البقرة"."

ولئن دفعت العقيدة الإسلامية الصادقة أبطال المسلمين إلى الدفاع عنها في فتوحات الأمصار والبلدان، فقد حفزتهم هي أيضا إلى الحرص عليها في فتوحات العلم والعرفان، فاستحقوا بهذا سيادة الأرض, وهي سيادة لم تقم على تسلط جبروت أو طغيان, وإنما نبعت من ذل العبودية الخالصة للواحد البارئ الديان ..لا شريك له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت