فهرس الكتاب

الصفحة 13383 من 27345

إن الرجل عاش مجهولًا في عصره ، فمن أجل ذلك عاش ومات مهضوم الحق ، وهذا شيء أقوله لكم ، بعد الآن لن تسمعوا مني شيئًا إن شاء الله ، كنت أدرّس في الجامع الوطني درسين في الأسبوع ، فلن تكون ثمة دروس بعد اليوم ، والشوط الذي قطعته في هذه الخطب سيكون يتيمًا بإذن الله ، وغاية ما أرجوه أن ألقى الله تعالى على هذه الحال ، ليس عارًا أن أقول لكم أنني لم أعدّ أتحمل ، جسم مسقام كثير الأمراض ، وأناس لا يتقون الله ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، أقول هذا وأعيد أليس من الحق أنني أخطأت اختيار الساحة وأخطأت استعمال الأداء ، نعم ، أنا الآن قريب من الخمسين ، لم أترك للناس من بعدي إلا هذه الشرائط التي تُسجّل ، وبين أُنملين قلم لو جرى لجرى الذهب معه ، ولو جرى لخط في التاريخ خطًا ، أحب أن تعلموا إن الناس ثلاثة ، واحد يسمح للتيار أن يسحقه ، أي مسلوب الإرادة ، وواحد يترك على التيار بصماته ، وهو خير من الأول ، وواحد يصنع التيار ، ليس من باب التمدّح ولكن لأعرّفكم بطبيعتي ، أنا ليست من الذين يحنون رؤوسهم للرعاع وليست من الذين يتملقون عواطف الناس ، ومن هذا المكان منذ سنوات قلت لكم: يا إخوتي والله كدت أقول ما قال ذلك العالم في بغداد حين قرر الرحيل من بغداد: لو وجدت عندكم رغيفًا آكله في الصباح ورغيفًا آكله في المساء ما فارقتكم . والله ثم والله ثم والله فقد عشت لكم ومن أجلكم ابتغاء مرضاة الله ظروفًا لا يتحمّلها بشر ، ومع ذلك انتهيت ، ذهبت القوة وانقطعت المنّة وأنا الآن بحاجة إلى أن أُعيد حساباتي من أولها إلى آخرها ، أنا واثق ابتداءً أنني كان أحب أن أعمل في هذا الميدان وأن لا أسمح لملكة الخطابة أن تعدو على ملكة الكتابة ، وما يجد بعضكم من متاع ولذة بالاستماع إلي مرة أو مرتين في الأسبوع كان يمكن أن يكون ما هو خير منه وأبقى حين أترك للناس نتاج عقلي وثمرة تفكيري بل ثمرة فؤادي ووجداني شيئًا يُقرأ بعد مئات السنين وبعد آلاف السنين ، ولا ضير فيما أقول ، فليس أول من وقع ضحية الخداع ، إن الاستمرار في الطريق في تقديري الآن خطأ ، وإن علي أن أختار ميدانًا آخر ، إن العمل بين الناس ميدان يحتاج إلى مراعاة الناس ، وميدان يحتاج إلى مسايرة التيار ، وأنا ليست واحدًا ممن يحنون رؤوسهم للتيار ، وليست واحدًا ممن يرضون بأن يتركوا بعض بصماتهم على التيار ، أنا ـ بفضل الله ـ من صنعة التيارات وليست أقلّ من ذلك في كل حال .

بعد الآن لا خطابة ولا دروس ، علي واجب إذا أشكل على إنسان من أمر دينه أمر فليسألني وسأجيبه بإذن الله تعالى ، وكلمة أخيرة أقولها: لا سيما المرحلة الأخيرة سُجّلت الخطب كلها على الأشرطة ، وانتشرت الأشرطة هنا وهناك في كل مكان في العالم العربي والعالم الإسلامي ، ليكن واضحًا أنني لا أسمح ثم لا أسمح ثم لا أسمح ولا أحلّ لأحد أن يستخدم هذه الأفكار مضافة إليه ، إنني كنت أعمل على إثارة الساحة وإثارة الأفكار ، وتأتي هنا فكرة وهناك فكرة ووعدت بأن نجرد هذه الحصيلة في المستقبل لنستخرج قواعد الحركة ، وأنا أعرف أن في هذه الدنيا أناسًا يأتون إلى الشيء الكامل فينتقصوه فما بالك بالشيء الذي لم يكتمل بعد ، إن الأفكار التي طرحتها جزء من عمل لا أريد ولا أقبل أن يضيفها إليه أحد لأنها لا تمثّل فكرة نهائية ، الفكرة النهائية لم تُطرح بعد ، وأنا آمل وأستعين الله جل وعلا على أن يعينني على تسجيلها وكتابتها وإذاعتها بين الناس ، هذا شيء ضروري ، أشرطتي التي سُجّلت عليها أحاديثي ليستخدمها من شاء كيفما شاء إلا أن يقول أن هذه آراء فلان وهي ليست آرائي ، آرائي لم يكمل بناؤها حتى الساعة ، ومع ذلك فللشباب أن يستخدموها كيفما شاءوا ، مع زيادة هو أن الشوط الذي قطعناه أعتقد وأتصوّر أنه وضع في طريق المنهج لبنات ، ننصح الإخوة الذين يريدون أن يبحثوا في التاريخ النبوي والتاريخ الإسلامي بعامة وحقائق الإسلام يمكن أن يستخدموها ويستفيدوا منها وأن يضيفوا إليها إن شاء الله تعالى إضافات موفّقة ومباركة .

رجائي إلى الله جل وعلا أن يعينكم وأن يهدي قلوبكم وأن يوفقكم وأن يسدد خطاكم ، وقلت لكم أن لا يغضب أحد ، إن الأمة ليست متوقفة علي ، وإذا كانت متوقفة علي فمن الخير أن تموت ، إن الأمة فيها خير له أول وليس له آخر ، وغاية الأمر أن نبدل ميدانًا بميدان ، وأن الأساس فنحن وأنتم على العهد ، حياتنا ومماتنا وصحتنا وسقمنا وشبابنا وهرمنا ودماؤنا وأموالنا نرجو أن تكون لله جل وعلا .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . والحمد لله رب العالمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت