فهرس الكتاب

الصفحة 13385 من 27345

ودلّ على أمر آخر ، فحينما ذكر الله تعالى أمر ثمود فقال ( كذبت ثمود بطغواها ، إذ انبعث أشقاها ، فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ، فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ، ولا يخاف عقباها ) حين قال الله تعالى هذا كان في هذه الصياغة معتبر لأولي الألباب ، وكان فيها أيضًا ضياء يشير إلى واقع تحقق في الجماعة المسلمة ستلحقه وقائع ، وسيزداد اتضاحًا وجلاء . إن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا الناس فرادًا كما دعا الناس جماعات ، ودعاهم وهو يتردد حول البيت ، كما دعاهم وهو يغشاهم في نواديهم ، وتحرّى أن يلقاهم في المواسم فوقف عليهم وقرأ عليهم القرآن ، وذكرهم بأيام الله تعالى ، فاستجاب من كتب له الله التوفيق والإحسان ، وأعرض عنه من حق عليه كلمة الضلالة ، وعلى أي الأحوال ففي سياق الزمن فإن هذه الجماعة الملتفة حول محمد صلى الله عليه وسلم كانت تكتسب مع الأيام مواصفات كلها في صالح القضية ، وكلها يمهّد ماضيها للاحقها ، تمهيد السبب للمسبب ، إننا نعثر الآن على أوائل الإشارات التي تشير إلى مسؤولية الجماعة المؤمنة . من أكبر الأخطاء ومن أشدها فتكًا وتدميرًا بالنسبة للدعوة أن يفصل الإنسان المسلم بين ذاته واهتماماته وبين مصالح واهتمامات الجماعة ومآلات الإسلام .

إن الجماعة المؤمنة حين تتكوّن يعني أنها قررت قرارًا لا رجعة فيه أن تحمل على عاتقها أن تصل الليل بالنهار وتصل النهار بالليل من أجل أن يترقى حال الناس وشأنهم .

حينما تضع أمامك صياغة الآيات من آخر سورة الشمس فستدرك إن شاء الله أن القرآن يعرض عليك قضية غير مصرحة من خلال صياغة الآيات وتركيب الجمل والكلمات ، عرض عليك قصة ثمود ، وثمود مجموعة من القبائل التي مضت قبل أمتنا ، جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا: إنا كفرنا بما أُرسلتم به . أمة بالكامل ، ولكن إعجاز القرآن في إيحائه بالمعاني من خلال الصياغة وحروف الكلمة الواحدة يتجلى في هذه الهندسة البديعة في نمط الكلام . أمة أعرضت ولكن حين نهى نبيها عن الاعتداء على الآية التي طلبها القوم من رسولهم فكانت ناقة الله لم تتآمر الأمة بمجموعها على هذه الآية ، هنا جاء النص على أنه بعث أشقاها ، أي أن المباشرة في قتل الناقة كان رجلًا واحدًا ، وإذا ذهبنا نتعرف على حقائق القصة من خلال سور القرآن الكريم فسنجد أن المؤامرة حيكت من خلال نفر ، قال الله تعالى في موضع آخر ( وكان في المدينة تسعة رهط مفسدون في الأرض ولا يصلحون ) تسعة هو الذين تآمروا على قتل الناقة ، وواحد فقط هو الذي باشر في تنفيذ الجريمة التي تشكل اعتداءً على أوامر الله . فما الذي كان ؟ إن موازين العدل الظاهر تقتضي أن يؤخذ المجرم بذنبه ، وأن لا يُتعدى بالعقوبة إلى من لم يباشر الفعل ، ذلك صحيح بالنسبة إلى قوانين الدنيا وإلى أنظمة الناس ، هذه التي تشرّع لناس محصورين في بقعة من الأرض معلومة وفي فترة من الزمان محدودة ، وأما رسالات الله التي تتغلغل في البواطن وتتشعب مع ضمير الغيب فشأنها في إنزال العقوبة شأن آخر .

إننا على الصعيد الاجتماعي نتعامل مع كتلة لا مع فرد ، وهذه الكتلة منظومة من أفراد ، وإذًا فالأفراد يشكلون الكتلة والكتلة تتضمن الأفراد ، وما يجوز في هذا الاعتبار أن تُفصل العقوبة عن الجريمة من جسم هذه الكتلة ليُنزل العقاب بفرد آخر . إن قوانين الاجتماع كما انتهى إليها علم الاجتماع في زماننا هذا وقبله تشير إلى بدايات الرسالات قبل آلاف السنين .. إن قوانين الاجتماع تقول: إن الإنسان الفرد غير مأذون له أن يعتدي على القوانين العامة في الجماعة ، لأن القوانين العامة في الجماعة تمسّ مصالح الجماعة ككل ، وتنعكس آثارها على الكل ، فمن أجل ذلك كانت مسؤولية الحفاظ عليها ومسؤولية حراستها مترتبة على الكل . فمن هنا حين نرى كتلة اجتماعية تؤمن بالنظر الواسع العريض ونجد بينها أفرادًا أو عشرات أو مئات أو ألوفًا يعملون بالطاعة ويبتعدون عن المعصية ولكن ضمن إطارهم الخاص ، وفي حدود ذواتهم فقط فإننا يجب أن لا نستغرب حين تسوء الأمور ويمر الإنسان المؤمن التقي فيرى المعصية وهي تُباشَر ويرى المنكر يُجهَر به بغير استحياء ولا تحوّط ، ثم يقول: ما لي ؟ يجب أن لا نستغرب حين ينزل البلاء عامًا وصدق الله العظيم ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) وما أصدق الكلمة التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سألته عائشة رضي الله عنها قالت: يا نبي الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم إذا كثر الخبث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت