فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إذا استعلَمت المعصية وإذا عربد المنكر وإذا تجاهر الشذوذ ، مهما يكن في الأمة من صالحين فالهلاك واقع ، لأن الصلاح بمجرده ليس الصلاح المحدود بحدود الظرف ، ولكن الصلاح الذي يبغيه القرآن ورسمته الشريعة هو ذلك الصلاح الذي تتراحب آفاقه لتشمل مصالح الأمة في حاضرها ومستقبلها ومن أقصاها إلى أقصاها ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيرون إلا عمهم الله جل وعلا بالعذاب.
فهذه الظاهرة التي نتعرف على بدايات الحديث عنها والتي سترد معنا فيما سنستقدم من كلمات الله شيء عظيم الأهمية .
إن الذي قام بالجرم واحد ، وإن الذين تآمروا تسعة ، ومع ذلك فإن الله تعالى جلّل تلك الأمة بالعقوبة فجعل عاليها سافلها وأحلّ بها دمارًا وألحقها بالأمم السابقة التي عصت أوامر الله . وأنت الآن تفتش عن ثمود فتقرأ بجانب اسمها أنها من القبائل العربية البائدة ، أي التي بادت ولم يبقَ لها ذكر .
ماذا يترك من انطباع طرق المسألة بهذا الشكل على تلك الجماعة المؤمنة الناشئة حول محمد صلى الله عليه وسلم ؟ إنه يضع النذير أمام أعينها ، ويخط لها في مزدحم المسالك طريقاٌ واضحًا ، إنه على الأمة المسلمة وهي تأخذ أمر الله بقوة وتباشر شريعة الله بجدية كاملة أن لا تغفل عن سلامة البناء لحظة واحدة ، وعليها أن تعلم أن أي شذوذ من أي مصدر كان ، من أسفل البناء أو من أعلاه أو من وسطه فإنما يعني الجميع . وأن الخرافة المقيتة التي تقول أن هذا من شأن الدين وأن ذاك من شأن السياسة ، هذا من شأن الرعية وهذا من شأن الحاكم ، فهي خرافة لا تقوم على رجل سليمة ، كما لا تقوم على رجل عرجاء . وأنها وسيلة الأفّاقين والضالين والمضلين إلى حرف الأمة عن طريقها وإبعادها عن هدي ربها .
إن أي شيء ما لا يمكن أن يسقط من اهتمام أي فرد في المجتمع ، وليس شيئًا يختص بالقاعدة أو بالقمة ، وإنما الأمر كله لله .
إن تتبع أخبار تلك الجماعة التي نشأت حول محمد صلى الله عليه وسلم يكشف أمامنا ما اكتسبه المسلمون من هذا الدرس البليغ ، لقد كان كل واحد من هؤلاء النجباء الأبرار وجنود محمد صلى الله عليه وسلم يشعر بأنه قيّم على رسالة السماء ، هو نفسه يشعر بأنه يحمل مسؤولية الدنيا من أولها إلى آخرها ، ومن هنا كانت هناك يقظة دائمة وحراسة دائمة .
وكان المسلمون بفضل الله تعالى عونًا لبعضهم على إقامة أمر الله حيثما وُجد تعب ، إن أي انهيار في أية جهة كان المسلمون يسارعون كلهم لدعم هذا الانهيار ولبعث النشاط في هذا التعب ، حيثما وُجد خلل سُدّت الأبواب في وجه الشيطان حفاظًا على أمر الله تعالى ، ولكي لا يُترك المجال مفتوحًا أمام الشيطان ليعبث في هذا البناء الرباني الذي أقام الله المسلمين عليه .
هذا المعنى لم أشرحه من قبل ، ولم أشرحه الآن ، وإنما المسألة عميقة وكثيرة الفروع والتشعبات ، إن القرآن كان يقود المسلمين في معركتهم المشرفة .. ضد الإلحاد والتخريب ، وهو في نفس الوقت يؤرخ للجماعة المسلمة ، ويؤرخ لدرجات النمو في هذه الجماعة .
إننا حينما نوجه الآن سورة البروج نواجه أمرًا يكاد يكون نتيجة طبيعية لتلك المقدمة التي مضت في سورتي القدر والشمس .. إعداد الإسلام والشعور بأن هذا الإسلام هو جزء من النظام الكوني ، وإن أية إساءة إليه هو إساءة لمصير الإنسانية برمتها ، ليس كلامًا يقال في الهواء ، وليس تسلية يتسلى بها الفارغون ، ولا شعارًا يلقيه تجار السياسة ولصوص الشعوب ، ولكنه الحقيقة الكونية الهائلة العظيمة التي لا يغفل عنها إلا شقي .
إنها مسؤولية ضخمة وكبيرة ، ولكنها المسؤولية التي من ورائها جنات تجري من تحتها الأنهار ورضوان من الله أكبر . إن سورة البروج تعرض للمسلمين درسًا في الثبات والتثبيت لا مثيل له ، اسمعوا السورة ( والسماء ذات البروج ، واليوم الموعود ، وشاهد ومشهود ، قُتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود ، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ، الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد ، إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير ، إن بطش ربك لشديد ، إنه يبدئ ويعيد ، وهو الغفور الودود ، ذو العرش المجيد ، فعّال لما يريد ، هل أتاك حديث الجنود ، فرعون وثمود ، بل الذين كفروا في تكذيب ، والله من ورائهم محيط ، بل هو قرآن مجيد ، في لوح محفوظ ) .