فهرس الكتاب

الصفحة 2358 من 27345

أما علمت أخي أنك ستسأل عن هذا المال يوم القيامة ؟ من أين ؟ وفيم ؟ فهل عندك الجواب ، إذا قال لك الرب تبارك وتعالى مقررا لك وأنت بين يديه لا ترى إلا ما قدمت عن يمينك وعن شمالك ، وترى النار تلقاء وجهك ، مالك هذا من أين اكتسبته ، أمن حلال هو أم من حرام ، هل للربا فيه نصيب ؟ هل للسحت فيه نصيب ؟ هل للرشوة فيه نصيب ؟ هل هو مال يتيم استضعفته فأكلته ؟ هل هو حق مسكين استغفلته فسرقته ؟ ثم فيم أنفقته ؟ أعلى أهل الفجور والخنا ؟ أعلى أهل التمثيل والغنا ؟ هل سررت بأهل الفسق يستقبل استقبال الأبطال والفاتحين ؟ ثم تأتي أنت فتقول مثل قول سلفك: أهلكت مالا لبدا . يقولها افتخارا ، ومباهاة واغترارا ، حتى إنه يعبر عنه بالإهلاك ، ولا يقول أنفقت مالا ، ولكن يقول أهلكت مالا ، لأنه أنفقه غير مكترث به ، وغير راج لمنفعته ، فضياع ماله وهلاكه عنده سواء ، فافتخر هذا الدعي بإهلاكه ماله في غير وجهه ، ولم يضعه في مواضعه ، فلو وضعه في مواضعه لقال أنفقت ، أو تصدقت ، والتعبير بالهلاك للمال مناسب من جهة أخرى ، فلن ينفعه ماله ذلك أبدا في الآخرة ، ما أغنى عني ماليه ، فلم يطعم جائعا ، ولم يفك رقبة ، أو يواسي به مسكينا ، وعبر عنه باللبد: أي الكثير، تلبد الشيء إذا اجتمع ، أيحسب أن لم يره أحد ؟ أيظن هذا الإنسان المتفاخر بالإنفاق في وجوه الشر والفسق أن أعماله تخفى على عالم السر والنجوى ؟ أو يظن أنه لن يحصى عليه إنفاقه ، ولن يحاسب على اكتسابه ؟ فالله تعالى يراه وهو عليه رقيب ، ويوم القيامة له حسيب ، يوم لا ينفع المال ولا الحبيب .

أيها الأحبة: إن الله تعالى سمى المال خيرا فقال: وإنه لحب الخير لشديد ، وقال: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية . وذلك لما يمكن صاحب المال الوفير من بذله في وجوه الخير ، جهادا في سبيل الله ، وحجا وصدقة ، وبرا وصلة ، ويذر ورثته أغنياء ، ويجري العمل به من بعده إذا انقطع عمله ، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ...، الحديث . فهو زينة الحياة الدنيا ، لمن أحسن استعماله ، واتقى الله في أصله ومكسبه ، وإلا فإنه يصبح نوعا من العذاب يعذب به صاحبه شعر بذلك أم لم يشعر . فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ، فاستبقوا الخيرات عباد الله ، وليكن لكم في أبي الدحداح رضي الله عنه أسوة حسنة ، فإنه لما نزل قول الله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ، قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله وإن الله ليريد منا القرض ؟ قال: نعم يا أبا الدحداح . قال: أرني يدك يا رسول الله ، قال: فناوله يده ، قال: فإني أقرضت ربي حائطي ، وحائطه فيه ستمئة نخلة ، وأم الدحداح فيه وعيالها ، قال: فجاء أبو الدحداح فناداها ، يا أم الدحداح ، قالت: لبيك ، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل . أخرجه ابن أبي حاتم من حديث عبدالله بن مسعود .

فاتقوا الله وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ، واعملوا لتدخلوا في قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . وتذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، وذكر منهم: رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه . وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون .

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: لا حسد إلا في اثنتين ، رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ،،، الحديث . وحين قال: ما نقص مال من صدقة ، وحين قال: أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز ، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله الجنة ، أخرجه البخاري . فيا ليت شعري أين أغنياؤنا يسمعون هذا الوعد ، ويؤمنون به ، ويتبعون هديه ، ويعملون بمقتضاه ، فليتهم يعلمون أن الله قد من عليهم بمنة زادت على غيرهم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وحقا حقا ، وصدقا صدقا ، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم .

الخطبة الثانية:

الحمد لله ذي الفضل والإحسان ، البر الكريم المنان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت