أنتقل بكم إلى قصة أخرى، أعلم أنكم لو سمعتموها كقصة وليست حديثا لضحكتم وتندرتم من قائلها وقلتم له قصص عجيبة وغريبة، لكن القصة مروية في صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قص النبي صلى الله عليه وسلم فيها عن رجل من بني إسرائيل جاء إلى أخ له فستقرضه دينا فأعطاه ألف دينار، فقال له: ائتني بالشهود، فقال: كفى بالله شهيدًا، قال: فائتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا، قال: صدقت، قال: فمضى صاحبه فركب البحر، فلما آن الأوان لسداد المال، لم يجد مركبا يركب فيه، وحار في أمره، ولم يرد أن يتخلف عن أمر أشهد الله فيه وجعل الله كفيله فيه، فأخذ خشبة فنخر فيها، فوضع فيها المال ومعه ورقة، ثم قذف بها في البحر، فجاء صاحبه من الجهة الأخرى فوجد الخشبة فأخذها حطبا لأهله، فلما مضى إلى بيته نشرها فوجد فيها المال فأخذها، ثم من بعد ذلك جاء المقترض وجاء بماله مرة أخرى، وقال: ما أخرني عنك إلا أني لم أجد مركبا، فقال له: هل بعثت شيئا قال: أقول إني: لم أجد مركبًا، إلا يومي هذا، قال: فهل وضعت مالا في الخشبة، قال: نعم، قال: فقد أدى الله عنك .
قصة عجيبة خرافية عند من لا يؤمنون بخبر الأنبياء، قصة ربما للتلهي أو لتلهية الناس عن أمور أخرى، لما أوردها هنا لنقول إن من يتعامل في دنياه وفي تجارته وماله مع الله وبمراقبة الله، تكون أموره مختلفة، وأحواله على غير الأمور التي يعرفها الناس وينسجون حولها أو يتعاطونها، ولو قلنا لأحد اليوم افعل مثل هذا، لقال: وهل تراني مجنونا حتى أضع مالا في خشبة أو أقذف به في البحر، أو أي صورة من الصور الأخرى التي قد تكون مماثلة، لماذا؟ لأنه قد ضعف اليقين في القلوب والإيمان في النفوس، وصار الاعتماد على المادة والأمور المحسوسة أعظم من الاعتماد أو الظن واليقين في الأمور الغيبية التي يجري بها قدر الله عز وجل الذي هو يقدر الأقدار ويصرف الأكوان سبحانه وتعالى.
ثم أمضي بكم أيضا إلى صورة ثالثة ذكرها أيضا البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري، قال: كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من الأعراب راكبا يلتفت يمينا ويسارا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له -يعني من كان عنده دابة يركبها زائدة فليعطها غيره ممن ليس عنده دابة- ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا شيء له ) قال أبو سعيد: فذكر من المال ما شاء الله أن يذكر -يعني عدد من كان له فضل مال من كان له فضل لباس من كان له فضل طعام- قال: حتى رأينا أن لا حق لأحد منا في فضل)
يعني كأن ما زاد عن حاجتك أخرجه لغيرك ممن يحتاجه .
ومرة أخرى نركب الصور ونجمعها، كيف نتخلص أو نحذر مما خوفنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه التوكل على الله الذي جعل الرجل يقذف بماله في ماء البحر، وإنه النظر إلى الإنفاق في سبيل الله لئلا تتشبث به النفس ويتعلق به القلب، ويصبح هو الهم الأعظم الأكبر، ويتحقق الوصف الرباني الذي هو في طبيعة الإنسان، إن لم يهذبه الإيمان، كما قال سبحانه وتعالى: {وإنه لحب الخير لشديد}
قال أهل التفسير: الخير هنا هو المال، وإنه لحب الخير أي المال، {لشديد} حبه شديد للمال، قال ابن كثير:"في الآية معنيان إنه أي الإنسان حبه للمال شديد أي عظيم، أو المقصود بشديد، أنه بخيل، أي أن حبه للمال جعله شديدا حريصا بخيلا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الوصف العجيب الذي أخبر فيه عن طبيعة النفس التي فيها جود وبذل وسخاء وعطاء وطبيعة النفس التي فيها قبض وبخل وشح، عندما أخبر أنه مثل بالرجل الذي يلبس حلة من حديد، قال: فإذا أنفق أسبغت عليه ووفرت، وعفت أثره - أي محت ذنوبه من بعده - وإلا - أي البخيل- ضاقت عليه حتى ضاقت على ترقوته كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم"
وقد أخبرنا: ( اللهم أعط منفقا خلفا، اللهم أعط ممسكا تلفا ) .
تلك صورة قرآنية وضحها الحق سبحانه وتعالى، ولو أردنا أن نفقه كيف نعالج الأمر فلنتمم الآية التي بعدها {وإنه لحب الخير لشديد * أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور} .
إلى أين سيمضي بك حب المال ؟ هل ستبقى مخلدا في الدنيا ؟ ألا تعلم ألا توقن ألا تتذكر بأن الحال سيؤول إلى موت وقبر وحفرة مظلمة ليس فيها طول ولا عرض إلا بقدر ذلك الجثمان { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور } .
يوم يقف المرء بين يدي الله عز وجل فيسأله عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، كل ريال لو علمت أنك تسأل عنه: من أين جاء وكيف خرج .. لطال فكرك في تحصيله ، ولأسرعت كثيرًا في إنفاقه صور كثيرة مازالت يصورها لنا النبي صلى الله عليه وسلم ..
ولعل بعضكم الآن يسأل لم نورد هذه الصور المتكاثرة، وسأزيد من هذه الصور والأحاديث والآيات وأجعل علتها من بعد.