والدعاة والمصلحون الذين يتحلون بهذا الخلق فإنهم ينجحون في دعوتهم ويصلون إلى قلوب ونفوس ما كان لهم أن يصلوا إليها لولا الرفق والحلم والأناة، إن مجتمعات كثيرة تفتح قلوبها وبلادها لمن يأتيهم عبر هذا الطريق ، طريق الرفق والأناة ويغرس فيها من المبادئ والتعاليم ما يريد حتى ولو كانت تلك المبادئ ضالة مضلة .. ويكفي أن نعلم كيف استطاع المنصرون أن يؤثروا على مجتمعات وثنية بدائية بهذا الأسلوب حين عجزت الجنرالات أن تصل إليها بقواتها وجيوشها وطائراتها ودباباتها.
أليس من الواجب علينا نحن المسلمين أن نتخلق بهذه الأخلاق وأن نحمل الإسلام للعالمين لننير لهم دروبهم ونغرس فيهم الإيمان بربهم وخالقهم ونوصل لهم الإسلام ، إن الأمور الكبيرة لا يمكن تحقيقها إلا بالرفق والصبر ونستطيع أن ندرك بالرفق مالا ندركه بالعنف .. ألم تر أن الماء على لينه ورقته يقطع الحجر على شدته وقسوته.
الرفق يمن والأناة سعادة فاستأن في رفق تلاق نجاحا
إننا نستطيع أيها الأخوة أن نصنع الشيء الكثير لديننا ودنيانا ولأمتنا متى ما كانت لنا همة وتحلينا بالصبر والرفق والتؤدة ولقد أحسن من قال:
قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل
والحاكم العادل الرفيق بأمته ورعيته وبلاده يحبه شعبه ويتجاوب معه ويسمع له ويطيع ويتعاونون على تشييد الحضارات والمدنية ، وينتشر الأمن ويعم الرخاء أرجاء البلاد. ,وإن من الواجب على الولاة والحكام والرؤساء والزعماء أن يرفقوا بشعوبهم ورعاياهم، ولا يشقوا عليهم، فالرفق بهم كلمة رفيعة في السياسة والتدبير، والعنف معهم يورث الكراهية والتذمر والضجر والخروج عن الطاعة، وفساد أمر الجماعة، ولذلك فقد دعا الرسول الكريم الرفيق بأمته - صلى الله عليه وسلم -على الحكام الظلمة الذين يرهقون الأمة ويشقون عليها فقال:"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاُ فرفق بهم فارفق به". ودعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -مستجاب.
وفي الصحيحين أن عائذ بن عمرو دخل على عبد الله بن زياد فقال: أي بني، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يقول:"إن شر الرعاء الحطمة") ، فإياك أن تكون منهم.
فأبان الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أن الرعاة من الولاة والحكام هم الذين يشتدون على الأمة ولا يرفقون بها، بل يمارسون معها الظلم والعسف والعنف، ويسنون لها من الأنظمة والقوانين ما يشق عليها في دينها ودنياها.
إن شر الرعاة من الناس على الناس هو الحطمة الذي لا رفق عنده ، ولا رحمة في قلبه تليّن سياسته وقيادته، فهو يقسو ويشتد على رعيته، ويوسعهم عسفًا وتحطيمًا ، ويدفعهم دائمًا إلى المآزق والمحرجات، ولا يعاملهم بالرفق والحكمة في الإدارة والسياسة، ولا يجتهد في سبيل رعايتهم وخدمة مصالحهم وينصح لهم ، هذا الصنف من الحكام والولاة محرومون من رحمة الله وجنته كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال:"ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة".
الخطبة الثانية
إن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والحماقة الخرقاء تسمية الأمور بغير أسمائها وتفسير الأحداث على غير حقيقتها ومصادرة الحقائق وطمس معالمها، وإسناد الأشياء لغير أصحابها وذويها. هذا ما لمسته وأنا أتابع وسائل الإعلام وهي تحتفي بالسابع من يوليو يوم الانتصار .. إنها لم تذكر أسباب الانتصار العظيم بل هي تغش الأمة وتدلس عليها وتسمعها ما تكره.
أيها المؤمنون إن واجبنا أن نتذكر جيدًا بأن الظلم والطغيان ومحاربة الدين والتمرد على أحكام الله هو السبب الهام في سقوط الدول وانهيارها، وهو السبب الرئيس في هزيمتها واندثارها، وتحطيم الحضارات وزوالها وهي نتيجة ظلم الإنسان وتكبره وطغيانه. استمعوا إلى قول الله عز وجل وهو ينبهنا ويرشدنا إلى هذه الحقيقة: ? وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ? [ هود: 102] . ويقول جل وعلا: ? وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا? [ الكهف: 56 ] . ويقول: ? وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ? [ الطلاق: 8-9] .
إننا جميعًا نعلم حقيقة الوضع في المناطق التي كانت تقع تحت الحكم البلشفي الشيوعي ، عايشناه ولمسناه منذ بدايته وحتى نهايته، فواجبنا أن نأخذ العبرة ونستفيد منها فلا نقع فيها أو نكررها بصورة أخرى، ونسير في الطريق ذاته طريق الفساد والظلم والطغيان فإن العاقبة والنتيجة واحدة ? .. وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ? [هود: 83] .