ونحن اليوم في عصر يتميّز بفنِّ المصطلحات التي أصبحت عِلْمًا، ليتميّز شيءٌ من شيء، بعد أن اختلطت الأشياء، وبهتت الخصائص، وضعفت السمات، وبرزت مذاهب أدبيّة عديدة. ولذلك برزت ظاهرة المصطلح والتعريف كلما احتاج إليها الناس، وفي حاضرنا اليوم برز مصطلح الأدب الإسلامي أو الأدب الملتزم بالإسلام، وبرز المنادون به. وكان لا بدَّ من ذلك ليتمايز أدب من أدب.
ولذلك أخذ بعض الأُدباء المسلمين يطرحون المصطلح ويطرحون تعريفه. وكان من أوسع المصطلحات انتشارًا مصطلح"الأدب الإسلامي"، وكان من أكثرها دقّة مصطلح:"الأدب الملتزم بالإِسلام"وطُرِحتْ تعريفات مختلفة لذلك نذكر أهم ما توافر لدينا من خلال المؤتمرات والندوات والكتابات:
عرّف الأستاذ سيد قطب يرحمه الله الأدب بأنه:"التعبير عن تجربة شعوريّة في صورة موحية" (3) . وعرّف الأستاذ محمد قطب الأدب الإسلامي بأنه:"التعبير الجميل عن الكون والحياة والإنسان من خلال تصوّر الإسلام للكون والحياة والإنسان" (4) . وعرّف الأستاذ محمد المجذوب يرحمه الله الأدب بأنه:"الفنّ المصوّر للشخصية الإنسانيّة من خلال الكلمة المؤثرة" (5) .
أما الدكتور عبد الرحمن رأفت باشا يرحمه الله فقد عرّف الأدب الإسلامي بأنه:"التعبير الفني الهادف عن واقع الحياة والكون والإنسان تعبيرًا ينبع من التصور الإسلامي للخالق عزّ وجلّ ومخلوقاته، ولا يجافي القيم الإسلامية" (6) .
ولقد بيّنتُ في كتاب"الأدب الإسلامي إنسانيته وعالميته"وكتاب"النقد الأدبي المعاصر بين الهدم والبناء"وكتاب"أدب الوصايا والمواعظ"صعوبة وضع تعريف شامل لأي موضوع في العلوم الإنسانية بخلاف العلوم التطبيقية.
ولقد جمع الأستاذ الدكتور جابر قميحة تعاريف الأدب الإسلامي التي تمكّن من حصرها بجهد كريم في مقالته:"بين إشكالية المصطلح ومعياريّة التطبيق" (7) . وعلّق عليها وقارن بينها. وأشار كذلك في جملة ما أشار إليه صعوبة وضع تعريف جامع شامل في العلوم الإنسانيّة.
هذه التعريفات التي ظهرت حديثًا استجابة لواقع جديد، قدّمت كلها خيرًا، ودفعت مسيرة الأدب الإسلامي، وساهمت في الدعوة إلى مؤتمرات وندوات انبثقت عنها رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وتبنَّت الرابطة في لقائها التأسيسي في لكهنو في الهند بضيافة ندوة العلماء في (25ـ27) ربيع الثاني لعام 1406هـ الموافق 9يناير 1986م، التعريف التالي: الأدب الإسلامي هو التعبير الفني الهادف عن الحياة والكون والإنسان وفق الكتاب والسنّة". حسب النظام الأساسي للرابطة الصادر يوم تأسيسها."
ولقد طرأ تعديل بعد ذلك على هذا التعريف في نشرة الرابطة الصادرة سنة (1409هـ ) حيث أصبح: هو التعبير الفنّي الهادف عن الحياة والكون والإنسان في حدود التصوّر الإسلامي لها". مع أنّ لفظة"التصوّر"أطلقت العنان للتصورات المختلفة، وخاصة في عصرنا الحاضر، حيث ظهرت تصورات متضاربة في الميدان الإسلامي، أدبًا وفكرًا وسياسةً واقتصادًا."
ومن خلال هذه التعاريف كلِّها نخلص إلى أنّ كلّ تعريف ركّز على ناحية محددة دون أن يبيّن ماهيّة الأدب بعامة والأدب الملتزم بالإسلام بخاصة. ولم يكن هذا ناتجًا إلا عن طبيعة التعريف لموضوعات تتعلق"بالعلوم الإنسانيّة"، حيث لا يمكن للتعريف أن يحدّد الموضوع تحديدًا كاملًا كما يحدّده في العلوم التطبيقية. فالتعريف في العلوم التطبيقية يكون عادة مغنيًا كافيًا. فتعريف نظريّة فيثاغورس حدّد النظريّة بصورة تامة، وكذلك تعريف قانون بويل وغيره. ذلك لأن العلوم التطبيقية تقوم على قانون أو نظريّة أو فرضيّة تتمثّل بمعادلة رياضيّة أو فيزيائية أو كيميائية. والعلوم الإنسانية تعتمد على خصائص ووسائل وأساليب وأهداف، لا يتحدّد العلم الإنسانيّ إلا بها. فالتعريف بجمل محدودة وأسطر محدودة لا يستطيع أن يجمع ذلك كله، ولكن يمكنه أن يشير إليها ليوفي أكثر في بيان التصور.
من هنا أعتقد أنه من المناسب أن تُبيَّنَ الأُسس التي يقوم عليها تعريف الأدب الإسلامي وما يشير إلى منطلقه وولادته المتميّزة، وخصائصه المتميّزة، لتكوّن كلها الميزان الذي يحدّد ماهية الأدب الإسلامي وجوهره ورسالته وأهدافه، الميزان الذي يحسم قضايا يَخَتلف عليها بعض المسلمين. فدون أن يكون للإنسان ميزان يزن به الأمور والقضايا، فسيظل يضرب في متاهة بعد متاهة، أو يثير خلافًا بعد خلاف. يضاف إلى ذلك أن التعريف يجب أن يفي بمتطلبات الواقع الذي نردُّه إلى منهاج الله، كما أشرنا في أول الكلمة. ونورد أدناه أهم الأسس التي يقوم عليها التعريف:
2_ الأسس التي يقوم عليها تعريف الأدب الإسلامي:
أ ـ قانون الفطرة ونظرية ولادة النص الأدبي (8) :