فهرس الكتاب

الصفحة 6777 من 27345

فالإنسان الذي مرت عليه الأحقاب وغبرت عليه الدهور وهو مؤمن بنفسه غير آبه لما هو فيه لما يستحق من أهبة واستعداد والإنسان الذي رضي من الحياة بهامش صغير يضطرب فيه، همه منه ما يشغل البهيمة من مطعم ومشرب ومنكح.. هذا الإنسان، مع تراخي الأزمان، ومع توالي القرون، تخرب كيانه تمامًا لقد تركت عليه تأثيرات البيئة بصماتها الواضحة، وترك عليه الاسترسال غير المسؤول هذا التسيب الذي ترونه ضاربًا أطنابه في كل، مكان ودفعت الغاية العليا للوجود الإنساني وللقافلة البشرية بعيدًا إلى الخلف، وقدمت بين يدي الإنسان شهوات وقدمت بين يدي الإنسان رغبات وأشياء صغيرة أَوْلاهَا كُلَّ همّه، وأعطاها كل قيادته، فمزقته وقطّعت أوصاله، فالإنسان يعيش قطعة هنا وقطعة هناك وما لم تتجمع قوى النفس، وما لم تنسق الدوافع والمحركات، بلا أمل بتاتًا في أن يتحرك الإنسان في هذه الدنيا حركة صحيحة متناسقة - ما زل الجو بعيدًا عن الآيات لا بأس - الإسلام إذًا جاء ليعيد التوازن إلى هذا الوجود.

أنت حينما تكون بين يديك آلة جهاز تكون فيه بعض الفواصل أو بعض الصمامات غير شغالة فأداء هذا الجهاز ناقص، حينما تكون لديك مجموعة من الأجهزة بينها ناظم ينتظمها لينسق أداءها جميعًا كي تؤدي غرضًا معينًا؛ فيكون بعضها شامخًا ويكون بعضهًا ناقص الأداء، فذلك يعني بالطبع أن الحصيلة التي كنت ترجوها من العمل كمًّا وكيفًا لن تكون على المستوى المطلوب، ولا بالكمية المطلوبة هذا شيء يعرفه كل الناس كذلك أنت وكذلك المجتمع البشري الذي تعيشه الآن والذي عاشته الأمم من قبل وتعيشه الناس ما دام على ظهر هذا الكوكب ناس. فالإنسان جهاز ذو قوى ذو إمكانات ذو غرائز ذو طاقات حينما يتحرك بكامل قواه يؤدي أداء عاليًا، بشرط أن تكون الحركة متناغمة ومتناسقة، أن لا تصطدم في النفس قوة مع قوة، حينما يكون المجتمع ككل على هذا الغرار ففاعلية المجتمع تكون على مستوى عال.

هذا هو ما أراده الإسلام أراد للذات الفردية الإنسانية أن لا تعطل شيئًا من طاقاتها وأن تنسق وتنظم هذه الطاقات بحيث أنها تكون أثناء العمل غير مصطدمة ببعضها وأراد للمجتمع في نظامه العملي أن يكون تحركه كذلك على هذا الطراز. الكون كله متوازن منذ خلق الله الخلق وإلى اليوم وإلى قيام الساعة، تستيقظ في الصباح فترى الشمس تطلع من المشرق فإذا أمسى المساء غربت في المغرب فإذا جن الليل تبدت أمامك الكواكب تزين السماء الدنيا، بهذا النظام البديع هذا المشهد شهدته أنت وشهده أبوك وشهده جدك وشهده آدم عليه السلام وسيشهدْ الناس ما دامت الدنيا دنيا وما دامت الساعة لم تقم.

الكون كله لولا هذا التناسق وتوزيع القوى على نحو يمنع الصدام والخصام، لولا هذا لتخرب منذ زمن بعيد الكون كله في هذا التناسق العجيب المعجز. وهذا الإنسان العاتي وحده يخرج على النظام ويسيء إلى التناسق ويخرب التوازن المطلوب. وظيفة الإسلام أن يجعل حركة الإنسان داخلًا وخارجًا وحركة المجتمع متفقة مع هذا القانون الكوني العام كي يكون الأداء الإنساني من حيث النتيجة كاملًا ومؤديًا للغرض المطلوب.

هذه حقيقة أعتقد أننا فرغنا من تقريرها منذ أمد بعيد، وإن كان تقريرها على غير هذا النحو، لكن انظروا الأمر من زوايا أخرى، كي يتضح هذا الأمر تمامًا. إن التناسق في عرفنا والتوازن متمثل في رعاية أوامر الله تبارك وتعالى، ما طلبه الله منك فافعله ما نهاك عنه فدعك منه لا خير لك فيه، جملة التعليمات التي أصدرها محمد صلى الله عليه وسلم ينبغي أن توضع موضع التطبيق، لا يشذ عن التطبيق منها أي شيء، التوازن يحصل بالكيفية التي رسمت بالوحي، وشرحت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لتؤدي غرضًا إنسانيًا محسوسًا.

إلى هنا لا أظن أن ثمة مجالًا للخلاف لكن بعض الناس يتساءل أو يجبك بالسؤال جبهنا مرارًا عديدة أثناء التحدث ويقول: إن التناسق والتوازن في الحياة الإنسانية مطلوب لا ريب في ذلك لكن لماذا لا يمكن أن يتحصل هذا إلا بالإسلام، وألا يمكن أن تقوم المبادئ الأرضية وأن تقوم نتائج عقول الفلاسفة والحكماء والمشرعين والسياسيين والاقتصاديين، وهم أرباب المعرفة وأصحاب الاختصاص والذين يقررون الحقائق مفروغًا منها، تكاد تكون كلها حقائق علمية تلمس باليد وتشاهد بالعين وتسمع بالأذن؛ ألا يمكن أن يتحقق هذا التوازن عن طريق وضع المبادئ الأرضية موضع التطبيق؟ ويأخذون في كلام طويل من هذا القبيل.

أنا لا أريد أن أدخل مع هؤلاء بنقاش ولكن أسمح لنفسي معكم أن نتشكك وأن نتساءل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت