وأن الهزيمة العسكرية مهما بلغت والمصائب التي جرتها ، غصص الذل التي بعثتها ، لا تنهض لتكون مبررًا يجيز الباطل ، ولا الأعذار تجيز التنازل عن حق ، فالأمة التي تريد أن تصدق مع ربها وَ توفي بأمانة الأجيال السابقة وترعى حقوق الأجيال المقبلة ، لا تقتل أمجاد دين وتاريخ ولا تسحق آمال غد ومستقبل ، ولكنها تمضي في جهاد طويل مشرق على درب الجنة .
إن زخرف الشعارات والاصطلاحات من أمثال: ( وثيقة الاستقلال ) ( والحكومة ) ( ووحدة الصف ) ( ومن أجل السلام ) إن هذا كله لا يخفي هول الاعتراف بقرارات هيئة الأمم المتحدة ( 181ـ2) في 29/11/1947م ، و ( 242) في 22/11/1967م ، و ( 338) في تشرين الأول 1973م ، وأمثالها من قرارات الظلم والعدوان .
إن الاعتراف بكيان اليهود عمل حرام ، يمسح ما بنته آلاف السنين ، ويمسح جميع المواثيق التي وضعتها الأمة كلها في تاريخها الطويل ، ويمسح ميثاق منظمة التحرير نفسها مسحًا يزيل حقها في الوجود ، ويزيل حق كل ما يترتب عليها أو ينشأ عنها وعن اعترافها ، إنها جرأة على الله ورسوله وجرأة على المسلمين وجرأة على الدماء المؤمنة التي ماجت بحرًا في تاريخ طويل .
وأشد من ذلك ، أن هذا الاعتراف يفتح ديار المسلمين كلها لغارة وحشية مقبلة ، وخطر جنوني داهم ، يتفجر من هذا الكيان الباطل الكيان الذي يتجمع ليكون بؤرة فساد ، ومصدر عدوان وحشي . ولقد عرفنا طبيعة اليهود من تاريخ يمتد آلاف السنين طبيعة مكر وتآمر وغدر ، طبيعة فساد في الأرض كلها وإفساد . ولقد فصل القرآن الكريم في وصف هذه الطبيعة تفصيلًا لا يترك عذرًا لأحد .
وإن رفض الباطل وما ينشأ عنه من حلول لا يفرض وجود حل بديل مباشر ، حتى يصح الرفض ، فالباطل يرفض لأنه باطل ، ومع هذا فلو سأل سائل ما هو الحل البديل ، فإن الحل البديل متوافر وقد وهب الله لهذه الأمة المسلمة كل أسباب المنعة والقوة المادية في الأرض: عدد هائل من البشر ، ثروة هائلة في باطن الأرض وظاهرها ، أرض ممتدة وعقيدة ودين . ومن هذه الطاقات العظيمة ينطلق الحل البديل يدفعه إيمان وعقيدة ورجال صادقون ، وعزائم مؤمنة تنهض كلها إليه . ويبدأ الحل البديل بمسؤولية كل مؤمن إلى الوفاء بأمانته وعهده مع الله ، حتى تخوض الأمة المسلمة ميدان الجهاد صادقة مع ربها ، فتصب كل طاقاتها في ميدان الحق ، ليكون الميدان نفسه مصنع الرجال والأبطال ، وإذا قصرت الأمة في واجبها هذا ، فلا يسقط الواجب الشرعي عن كل مسلم ، لينهض إلى واجبه قدر وسعه وطاقته .
وحين نقدم هذا الرأي نصحًا لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين وأئمتهم فإنَّا نسأل الله أن يجعل نياتنا خالصة له ، وأن يهبنا برحمته العون ، والثبات والسداد والرشاد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله هو المولى وهو الولي الحفيظ .
( الذَّينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُم فاخْشَوهُم فَزَادَهُم إِيمانًا وَقَالُوا حَسبُنَا الله ونِعمَ الوَكِيلُ . فَانقلَبُوا بنعمَةٍ مِنَ الله وفَضلٍ لَّم يَمسسهُم سُوءٌ واتبعُوا رِضْوَانَ الله واللهُ ذُو فَضلٍ عَظِيمٍ ) [ آل عمران:173 ـ 174 )