أما بالنسبة إلى المغرب العربي فإنّ كل مناطقه قد تعرضت لأعمال العنف الاستعماري في فترات متقاربة ؛ حيث احتل الفرنس الجزائر عام 1830، وولتها تونس ، وأوغلوا فيها عام 1881، كما قاموا باستيطان المغرب عام 1912، ويختلف الاستعمار الفرنسي في هذه المناطق من نظيره في مصر من حيث طبيعته والوسائل التي تذرّع بها . وفي مصر كان دخولهم بمثابة ومضات النهضة العلمية التي هبت البلاد على ضوئها . وقد حمل MنابليونL ومن معه على مناكبهم أعباء تلك النهضة، في حين نرى الفرنس كانوا يختطفون بمخالبهم هوية وثقافة المغرب العربي بصفة عامة وهوية اللغة العربية بصفة خاصة . يد لنا على ذلك قول الوزير الفرنسي صالفندي (Salvandy) وهو يخاطب الأطباء العسكريين عام 1846 حيث قال فيه:
Mمما لاشك فيه أن الحكومة الفرنسية تعترف لكم بجميل إخلاصكم في معاملتكم للجنود ، غير أن لكم مهمة أخرى أكثر أهمية . أنتم مدعووّن إلى القيام بها . وهي مؤازرتكم بقسط كبير في العمل على إدخال حضارتنا في بيئة القبائل العربية والبربريةL.
وامتدادًا لهذه الخطه المسمومة عمدوا إلى محاربة اللغة العربية عن طريق القضاء على مراكز الثقافة العربية وإبعاد المواطنين عن التعليم فيها ونهب التراث العربي الموجود في مكتبات المغرب حتى عشّش الجهلُ بين أبنائها وكاد يتم استئصال الهيكل الفكري والثقافي للشعب المغربي ، كما نتج عن ذلك أن صارت المغرب في عزلة عما يحدث في المناطق الشرقية.
ومن الجدير بالذكر أن الأمة العربية تتميز عن غيرهم من الأمم من حيث التواصل والترابط فيما بينهم . لأن الشعوب العالمية الأخرى إنما يتم الأندماج والالتئام بينهم بوجه من الوجوه: إما بآدابهم أو بلغاتهم أو بتقاليدهم أو بديانتهم أو بقوانينهم العرفية ، ولكن الأمة العربية التأمت وتوحّدت في جميع هذه الميادين . وتجريدهم من هذه الثقافة المتجذرة هو الأول والأهم في جدول أعمال الاستعمار. وليس شيء أقسى على الشعب من أن يجدوا أنفسهم بلا هويةٍ ولا كيانٍ .
ولقد نهضت المغرب الأقصى لنجدة شقيقتها الجزائر لما وقعت في شبكة الاستعمار، مما جعل رجالَهم يحقدون على المغرب ويسومونها أسوأ العذاب . وفي سنة 1844 نشبت الحرب بينهم وبين القوات المغربية وأمكنتهم الفرصة لترسيخ أقدامهم في أرضها . ومن جِهَةٍ أخرى أعلنت إسبانيا حربًا على المغرب ، زعمًا منها أنها اعتدت على بعض أراضيها، وفي سنة 1860 أخذوا منها حديقة (تطوان) وهذه الحادثة مهّدت لهم الطريقَ ليثبتوا هيمنتهم السياسية على المغرب من جديد . وزادت هذه الهيمنة بصورة أكثر استقرارًا عقب توقيع الاتفاقية الذي تمّ عام (1912) والذي بموجبها دخل المغرب قهرًا وكرهًا في حماية فرنسا.
ولكن سرعان ما فَطِنَ أهلُ المغرب إلى الأخطار المحدقة بهم ، ونهض منهم جماعة ، ممن تأثّروا بالحركة الإصلاحية التي تَبَلْوَرَتْ في دعوتهم إلى مبادئ الوطنية الحرة وضرورة الاصطفاف للحصول عليها . وكان زمام هذه المبادرة في يد الشيخ أبي شعيب الدكالي المتوفى سنة 1356. وقد أدركوا أن الاستعمار يعملون لإرضاء أصحاب الطرق الصوفية المشوّهة ويساندونهم ليأمنوا به شرَّ العامة . وقد كان لدعوته وقعٌ طيب في نفوس المواطنين ، واهتزّ لها العامة والخاصة ، ولم ينطووا على أنفسهم متشائمين ، بل حملوا بأنفسهم أعباءَ النهضة بكل تفاؤل وثقة علمًا منهم أن مافي الغرب من حضارة وثقافة إنما أساسه العلم والتفاني فيه . وأن سلطة العلم هي أقوى من سلطة المال والسياسة. وأصبحت المكائد والمحن الاستعمارية بمثابة موقظٍ لهم من سباتهم . ويتمثل روح هذه النهضة في البعثات التي أُرْسِلَتْ إلى جامعة أوروبّا وبلاد الشرق واهتمام المواطنين بانشاء المدارس العصرية وتزويد أبنائهم بالعلوم والثقافة التي ألحقتهم بركب الحضارة الحديقة . ولكن سلطات الحماية الفرنسية وقفت عائقًا لهذه الانطلاقة ؛ إذ كانوا يقعدون لهم كلّ مرصدٍ ، ويحسبون كل صيحةٍ عليهم. ولم يسمحوا لهم بتقرير ومصيرهم الذاتي .
وقد ساعدت على هذه النهضة وجعلتها قوية تلك الرياح التي هبّت عليها من مصر؛ حيث بلغت النهضة أوجَ قمتها بفضل الجامعات والمدارس والصحافة والمجامع العربية . إلا أنّ بقاء المغرب لفترة طويلة على الجمود الثقافي من جراء الحماية الفرنسية جعل للُّغة العربية تيارين: تيار اللغة الإداريّة التي كان يتناولها الخاصة واللغة المحلية الدارجة التي نطق بها العامة . والتي لاكيانَ لها في القراءة والكتابة .