فهرس الكتاب

الصفحة 25442 من 27345

ومن دسائس أعداء الله: أنهم أرسلوا لكعب بن مالك رضي الله عنه، يوم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجره أرسلوا إليه يقولون له: بلغنا أن صاحبك جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ؛ فالْحقْ بنا نُواسِك، لكن كعبًا مؤمن علم أن هذا من الابتلاء، فيمَّمَ التنور، فأوقده بالرسالة:...وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [25] } [سورة غافر] .

هذا هو ديدن أعداء الإسلام في الغابر والحاضر، في كل زمان و مكان، يتحسسون الأنباء ويترصدون، ويتربصون بالإسلام و أهله، و كم من أقدام في مثل هذا ذلَّت!، وكم من أرجل في مثل هذه الأوحال قد انزلقت !، أما كعب فيمَّمها التنور و سجَّرها، و كم في الأمة من أمثال كعب !.

فدت نفسي و ما ملكت يميني فوارس صدقت فيهم ظنوني

ومن هذه الدروس: إن العقيدة في قلوب رجالها من ذرةٍ أقوى و ألف مهند: قضى الله أنه متى ما حادت الأمة عن عقيدتها، و تعلقت بهذا أو بذاك؛ إلا وتقلبت في ثنايا الإهانات والنكبات والنكسات حتى ترجع إلى كتاب ربها وسنة نبيها .

من يتق الله و ينصر دينه لابد في ساح المعارك يُنصَر

ألا وإن من أعظم الدروس من غزوة تبوك - و المسلمون يمرون بأحداثهم المعاصرة و متغيراتهم الحثيثة- إنه الدرس الجامع الذي يكون من محراب الجهاد و كفى .. من محرابه تنطلق قوافل المجاهدين بالجهاد ترد عاديات الطغيان ؛ فيكون الدين لله، ولا تكون فتنة، جهاد بالنفس والمال واللسان والسنان، ويبقى دين محمد -صلى الله عليه وسلم- مهيمنًا .

فيا أمة الإسلام في كل زمان ومكان اتقوا الله، وأجمعوا أمركم، وذُودوا عن دينكم ومحارمكم ؛ فإن من لا يذود عن دينه ومحارمه ولا ينتصر لدينه؛ ذليل حقير، غير حقيق بالعزة ؛ بل لا تحلو له الحياة، اصبروا، وصابروا، ورابطوا، و بما تمسك به أسلافكم تمسكوا، جاهدوا كجهادهم، و اصبروا كصبرهم، وتوكلوا على الله، و ثقوا بالله واطمئنوا، و أبشروا، و العاقبة للمتقين: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ [171] إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [172] وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [173] } [سورة الصافات] .

'خذوا إيمان إبراهيم، تنبت لكم في النار جنات النعيم' .

يا أمة الإسلام فانتفضي . . . فإن الجرح غائر

والجمع مُذْ فقد العقيدة فهو . . . مضطرب وحائر

وجريحنا الأقصى هوى . . . وديس بالحوافر

فهناك تعبث في جوانب أرضه . . . عُصَب الكوافر

وتسومهم ذلا وخسفًا . . . كالبهائم في الحظائر

يا أمتي فلتنفضي عنك . . . الغبار وتستعدي

ولتنفري نحو الجهاد بكل . . . إقدام وجد

إن الجهاد به نرد لَجاجة . . . الخصم الألدِّ

وبدونه نبقى على ما نحن . . . من أخذ ورد

يا رب أيقِظْ أمتي حتى تعود . . . إلى رحابك

واهدِ الولاة لكي يسوسوها . . . بوحي من جنابك

وأمدها بالنصر ليس النصر . . . إلا من جنابك

هذه بعض دروس من هذه الغزاة العظيمة، غيض من فيض، وقطر من بحر، وكتب السيرة تفيض بذلك فاتقوا الله، وعوها، وطريق أسلافكم اسلكوها، عودوا فالعود أحمد، اللهم أعز الإسلام و المسلمين، وأذل الشرك و المشركين، اللهم أصلح من في صلاحه صلاح للإسلام و للمسلمين، و أهلِكْ من في هلاكه صلاح للإسلام و المسلمين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه وليك.

من خطبة:'نظرات في غزوة تبوك ' للشيخ / علي عبد الخالق القرني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت