فهرس الكتاب

الصفحة 25444 من 27345

يأمر الله تعالى في هذه الآية رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه، وهو أمر للوجوب كما يدلُ السياق، ولا صارف للوجوب، وعلى الوجوب مذهب المالكية مع عموم ما يتشاور فيه، ويقول الإمام النووي: (واختلف أصحابنا هل كانت الشورى واجبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كانت سنة في حقه كما في حقنا، والصحيح عندهم وجوبها وهو المختار، قال الله تعالى:(وَشَاوِرْهُم فِي الأَمْرِ) والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحققو الأصول أنّ الأمر للوجوب) (7) ، وقرر الإمام ابن حجر العسقلاني أنّ الصحيح المختار هو وجوب الشورى (8) ، وعلى ذلك أيضًا مذهب الأحناف حيث يقول الإمام الجصاص في تفسير قوله تعالى (وَأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (9) : (هذا يدلُ على جلالة موقع المشورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصلاة، ويدلُ على أننا مأمورون بها(10) . وهذا ما ذهب إليه الإمام الرازي حيث يقول: (ظاهر الأمر الوجوب في قوله تعالى:(وَشَاوِرْهُمْ) وهو يقتضي الوجوب) (11) .

وتأكيدًا لهذا الوجوب فإن الأمر بها جاء عقب نتائج الأخذ بالشورى في أُحُد، دلالة على لزومه مهما ترتب عليه من نتائج.

وتطبيقًا لوجوب الشورى، والأخذ بنتائجها، وعدم كسر قراراتها استشار النبي صلى الله عليه وسلم المجاهدين في أُحُد على الخروج، فلما قرر غالبيتهم الخروج، أخذ بذلك، مع أن ذلك يخالف رأيه صلى الله عليه وسلم ، ولما رأوا أنهم قد أكرهوا النبي صلى الله عليه وسلم ، ورأوا التراجع والبقاء سن لهم ضرورة تحمّل النتائج والتبعات على القرار المُتخذ وعدم كسره، فردّهم بلطف كما روى ذلك جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لَوْ أَنَّا أَقَمْنَا بِالمَدِينَة فَإِنْ دَخَلُوا عَلَينَا فِيهَا قَاتَلْنَاهُم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ مَا دُخِلَ عَلَينَا فِيهَا فِي الجَاهِلِيَّة فَكَيفَ يُدْخَلُ عَلَيْنَا فِيهَا فِي الإِسْلاَمِ؟ فَقَالَ:(شَأنَكُمْ إِذًا) ، فَلَبِسَ لاَمَتَهُ، قَالَ: فَقَالَتْ الأَنْصَارُ: رَدَدْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأْيَهُ فَجَاءُوا فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ شَأْنَكَ إِذًا، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لاَمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ) (12) .

وأما موقفه في الحديبية من الصلح على غير رغبة المسلمين فبوحي إلهي ظاهر عبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله لعمر بن الخطاب: (إِنّي رَسُولُ اللهِ ولَسْتُ أعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي) ، وعبر عنه أبو بكر لعمر بالكلمات ذاتها فقال: (أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصى ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق) (13) .

وأما ما ورد في مواقف يستدل بها على إعلامية الشورى كما حدث من أبي بكر في موقفه من حرب مانعي الزكاة، أو من تسيير جيش أسامة، فالأمر لا يعدو أن يكون شورى، حيث علا أبو بكر بحجته على من معه فاطمأنوا لذلك بعد جدل ونقاش، فلا يستدل بهذا على الإلزام .. ومثل ذلك موقفه رضي الله عنه من مسألة جمع القرآن في مكان واحد حيث أقنع زيدًا بذلك دون إلزام له كما قال زيد: (فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -) (14) .

ولعظمة الأمر بالشورى جعلها الإسلام مقومًا أساسيًا بأسره، ومن ههنا قرنها بالصلاة والزكاة. يقول صاحب كتاب فقه الشورى والاستشارة: (إنّ الشورى في شريعتنا قاعدة للنظام الاجتماعي، وهي عروة وُثقى، تربط بين أفراد المجتمع، وقد جعلتها آية الشورى تلي الإيمان والعبادة في الترتيب بقولها:(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَلاَةَ وَأَمْرَهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزْقنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (15) .

ثم إنّ هذه العبارة الأخيرة تشير إلى أنّ التكافل في الإنفاق والمشاركة في المال يرتبطان بالمشاركة في التشاور الفكري .. وارتباط الشورى بالتكافل والتضامن الاجتماعي وحرية الإنسان وحقوقه يجعلها مبدأ اجتماعيًا شاملًا وليس مجرد مبدأ سياسي.

[2] وروى الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال: (الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورته في هذه الآية هم الذين أمره بالعفو عنهم وأن يستغفر لهم وهم الملزمون) (16) .

[3] هذا والأمر بالشورى هنا عام يشمل كل الشؤون العامة، في حياة الأفراد والجماعات والدول، السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والثقافية. وأداة التعريف (ال) للاستغراق، والأمر هنا (وشاورهم) يعني سماع الآراء فيكون العزم في قوله تعالى: (فإذا عزمت) أي عند اختيار الرأي الحاسم. والأمر بالشورى للوجوب ويشمل كل أمر ذي بال من شؤون الأفراد والجماعة والدولة سلمًا وحربًا، اقتصادًا وسياسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت