فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
السلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو . أما بعد: فإني أسأل الله أن يتم ما بنا وبكم من نعمة ، وأن يرزقنا وإياكم الشكر على إحسانه ، وأن يميتنا ويحيينا وإياكم على الإسلام ، وأن يسلم لنا ولكم خلفًا من تلف ، وعوضًا من كل ذرية .
أوصيك بتقوى الله يا علي ، ولزوم أمره والتمسك بكتابه ثم اتباع آثار القوم الذين سبقونا بالإيمان ، وسهلوا لنا السبل ، فاجعلهم نصب عينيك ،وأكثر عرض حالاتهم عليك تأنس بهم في الخلاء ، ويغنوك عن مشاهد الملأ فمثل حالهم أنك تشاهدهم ، فمجالسة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أوفق من مجالسة الموتى ممن يرقب منك زلتك وسقطتك إن قدر عليها ، فإن لم يقدر عليها جعل جليسك إن رآه عندك عيبك فرماك بما لم يره الله منك .
واعلم علمك الله الخير وجعلك من أهله ، أن أكثر عمرك فيما أرى قد انقضى ، ومن يرضى حاله قد مضى ، وأنت لاحق بهم ، وأنت مطلوب ولا تعجز طالبك ، وأنت أسير في يديه ، وكل الخلق في كبريائه صغير، وكلهم إليه فقير، فلا يشغلنك كثرة من يحبك ، وتضرع إليه تضرع ذليل إلى عزيز ، وفقير إلى غني ، وأسير لا يجد ملجأ ولا مفرًا يفر إليه غيره ، وخائف مما قدمت يداه ، غير واثق على ما يقدم ، لا يقطع الرجاء ولا يدع الدعاء ، ولا يأمن من الفتن والبلاء ، فلعله أن رآك كذلك عطف عليك بفضله ، وأمدك بمعونته وبلغ بك من عفوه ورحمته ، فافزع إليه في نوائبك ، واستعنه على ما ضعفت عنه قوتك ، فإنك إذا فعلت ذلك قربك بخضوعك له ، ووجدته أسرع إليك من أبويك ، وأقرب إليك من نفسك ، وبالله التوفيق وإياه اسأل خير المواهب لنا ولك .
واعلم يا علي أنه من ابتلي بالشهرة ومعرفة الناس فمصيبته جليلة ، فجبرها الله لنا ولك بالخضوع والاستكانة والذل لعظمته ، وكفانا وإياك فتنتها وشر عاقبتها فإنه تولى ذلك من أوليائه ومن أراد توفيقه ، وارجع إلى أقرب الأمرين منك ، إلى إرضاء ربك ، وإشارة أحياء القلوب من صالح أهل زمانك ، ولا ترجعن بقلبك إلى محمدة أهل زمانك ولا ذمهم فإن من كان يتقي ذلك منه قد مات ، وإنما أنت في محل موتى ومقابر أحياء ماتوا عن الآخرة ، ودرست عن طرقها آثارهم ، هؤلاء أهل زمانك فتوار مما لا يستضاء فيها بنور الله ، ولا يستعمل فيها كتابه إلا من عصم الله ، ولا تبال من تركك منهم ، ولا تأس على فقدهم ، واعلم أن حظك في بعدهم أوفر من حظك في قربهم ، وحسبك الله فاتخذه أنيسًا ففيه الخلف منهم ، فاحذر أهل زمانك ، وما العيش مع من يظن به في زمانك الخير، ولا مع من يسيء به الظن خير، وما ينبغي أن يكون في طلعة أبغض إلى عاقل تهمة نفسه من طلعة إنسان في زمانك ، لأنك منه على شرف فتنته إن جالسته ، ولا تأمن البلاء إن جانبته ، والموت في العزلة خير من الحياة مع من لا يؤمن خوف فتنته واجعل أذنك عما يؤثمك صماء ، وعينك عنه عمياء ، إحذر سوء الظن فقد حذرك الله تعالى ذلك ، وذلك قوله تعالى [إن بعض الظن إثم] (3) والسلام .
ـ 3 ـ
حديث هؤلاء البررة حديث لا تمله القلوب ، لما أنه يحملنا على جناح من الطهر ورفافية الحس إلى واحة تزخر بالعطاء الرباني متمثلة في سيرهم الدائب الحثيث إلى الله وفرارهم إليه ، ومسارعة لا تعرف الكلال إلى مغفرة من ربهم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين .
وقد كان من حديثنا عن هذا الزاهد الكبير بشر بن الحارث الذي اشتهر بـ (بشر الحافي) رسالته التي بعث بها إلى علي بن خشرم ناصحًا ومذكرًا ... حيث رأينا فيها كلمات هي أشبه ما تكون بميراث النبوة ... لأنها فيض الأتباع الصادق لصاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام .
ونعود اليوم ـ كما وعدنا ـ إلى بعض من سيرته وكلماته رحمه الله .
ففي تقدير للرجال وإعطاء الأعمال قيمها قال في شأن موقف الإمام أحمد رضي الله عنه يوم فتنة القول بخلق القرآن ... ذلك الموقف الذي أصبح معلمًا من المعالم يسير على هديه العلماء العاملون الذين يصدعون بالحق ولا يخافون في الله لومة لائم ... قال بشر في ذلك: دخل أحمد بن حنبل الكير فخرج ذهبًا أحمر ... فبلغ ذلك أحمد فقال: الحمد لله الذي أرضى بشرًا بما صنعنا .