فهرس الكتاب

الصفحة 7319 من 27345

إنَّ التأصيل من حيث دلالته اللُّغوية يعني الوصل بالأصل، وبما أنَّ أصل كل أمرٍ وكل شيءٍ يُرَدُّ إلى الله عزَّ وجلَّ بمقتضى المعرفة، فإنَّ مفهوم التأصيل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمبادئ الإيمان بالله تعالى، مثلما هو مرتبطٌ بهذه المعرفة. لهذا فإنَّ تأصيل المعرفة يعني وضعها في نسقها الإيماني القويم المؤسَّس على الاعتقاد بألوهية الله وربوبيته للوجود، بما يشمله من الغيب المستور والكون المنظور ( [6] ) .

لهذا فإنَّه يُنظر إلى التأصيل من حيث إنَّه وصل بالأصول الدينية وبالقيم الأخلاقية. ويقتضي التأصيل أنْ تتأسَّس المعارف على مبادئ الدِّين التي تعني الإيمان بالغيب وبالوحي، بحسبانه المصدر الجامع لهذه المعارف، أو الموجِّه الهادي لاكتسابها.

ومبادئ الدِّين تشمل: العقائد، والمعاملات، والأخلاق. وتأسيسًا على عقيدة الإيمان بالله، فإنَّ التأصيل يكشف عن الترابط الوثيق بين العلم المُستمد من الوحي، وما يكتسبه الإنسان من معرفة عن الكون والحياة والطبيعة ( [7] ) .

إنَّ عملية التأصيل في عصر العولمة الذي يتَّسم بصراع الحضارات والاختراق الثقافي، تصبح أكثر إلحاحًا ( [8] ) . وقد أصبحت الحاجة إلى التأصيل الإسلامي للعلوم حاجة ضرورية ملحَّة في هذا العصر، الذي ظهر فيه طغيان المادة، والبُعد عن القيم الإسلامية الحقَّة، وغاب الفهم الصحيح للإسلام عن الكثيرين، وانتشرت العلمانية التي تنادي بأنَّ العلم لا يتفق مع التديُّن، وأنَّ التقانة لا تلتقي بالتقوى.

وهذا الفهم قد أصبح سائدًا عند الكثيرين ممَّن لا يعلمون حقيقة الإسلام، فالإسلام لا يتعارض مع ما توصَّل إليه العلم الحديث من نظريات وثوابت، ولا يتعارض العقل الصريح مع النَّص الصحيح.

وقد توصَّل كثير من العلماء في الغرب إلى الكثير من الحقائق التي ذكرها القرآن الكريم، وذكرتها السُّنَّة النبوية الشريفة قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، فعلموا حقيقتها الآن، وتوصَّلوا إليها في هذا العصر، وقاد ذلك الكثيرين منهم إلى الإيمان بهذا الدين والدُّخول فيه، مصداقًا لقوله تعالى: ( سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) ( [9] ) .

المبحث الأول

مفهوم الدِّعاية في الإسلام

كلمة"الدِّعاية"من الكلمات التي وردت في بعض النصوص النبوية الشريفة، فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه ( [10] ) عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل كتابًا إلى هرقل عظيم الروم، جاء فيه: (من محمدٍ عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتَّبع الهدى، أمَّا بعد: فإنِّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤتك الله أجرك مرَّتين، فإنْ توليت فإنَّ عليك إثم الأريسيين) ( [11] ) . و ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) ( [12] ) .

ورواه مسلم بلفظ: (بداعية الإسلام) بدل (بدعاية الإسلام) ، ورواه أبو داود ( [13] ) .

كما بعث النبي صلى الله عليه وسلم برسالة إلى كسرى عظيم فارس ورد فيها: (من محمدٍ رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلامٌ على من اتَّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وأدعوك بدعاية الله عزَّ وجلَّ، فإنِّي رسول الله إلى الناس كلهم، لأنذر من كان حيًَّا، ويحق القول على الكافرين، أسْلِمْ تَسْلَمْ، فإن توليت فعليك إثم المجوس) .

وبعث النبي صلى الله عليه وسلم برسالة إلى المقوقس ملك مصر يقول فيها: (من محمدٍ عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلامٌ على من اتَّبع الهدى، أمَّا بعد: فإنِّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسْلِمْ تَسْلَمْ يؤتك الله أجرك مرتين، فإنْ توليت فعليك إثم القبط( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)

وجاء في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من محمدٍ النَّبي إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة، سلامٌ على من اتَّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد ألا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله فإنِّي أنا رسوله، فأسْلِمْ تَسْلَمْ:( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) ، فإنْ أبيت فعليك إثم النَّصارى من قومك) ( [14] ) .

وهكذا نجد أنَّ كلمة"الدِّعاية"تتكرر في رسائل النبي صلى الله عليه وسلم ، في حملته الإعلامية الكبرى إلى العالم في السنة السادسة للهجرة النبوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت