فهرس الكتاب

الصفحة 7320 من 27345

يُلاحظ من الأحاديث السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستخدم عبارة"دعاية الله"تارةً، و"دعاية الإسلام"تارةً أخرى في رسائله ومكاتباته إلى الملوك والأمراء، داعيًا إيَّاهم للدخول في دين الله تعالى، والإيمان بما جاء به من عند ربِّه عزَّ وجلَّ.

ويتَّضح من هذا أنَّ الدِّعاية الواردة في الأحاديث السابقة تعني"الدعوة". فـ"دعاية الله"و"دعاية الإسلام"هي الدعوة إلى الله، والدعوة إلى الإسلام. فكلمة"دعاية"مشتقة من الفعل: دعا، يدعو، دعايةً، نحو: شكا، يشكو، شكايةً.

فدعاية الإسلام هي الكلمة الدَّاعية إلى الإسلام، وهي شهادة ألا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمدًا رسول الله ( [15] ) .

وفي كتابه صلى الله عليه وسلم إلى هرقل:"أدعوك بدعاية الإسلام"، أي بدعوته، وهي كلمة الشهادة التي يُدعى إليها أهل الملل الأخرى.

وفي رواية:"بداعية الإسلام"، وهو مصدر بمعنى الدعوة كالعافية والعاقبة ( [16] ) .

كما أنَّ الدِّعاية في أصلها هي: الدعوة إلى مذهبٍ أو رأيٍ بالكتابة أو بالخطابة ونحوهما ( [17] ) .

والدعوة إلى شيءٍ هي الترغيب في هذا الشيء، أو بمعنى آخر: الدِّعاية له ( [18] ) .

روى مسلم والترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النَّجاشي، وإلى كل جبَّارٍ عنيد، يدعوهم إلى الله ( [19] ) .

وهذا الحديث فيه دليل واضح على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد كتب إلى كسرى وقيصر والنَّجاشي، وغيرهم من الملوك والأمراء، داعيًا إيَّاهم إلى الله، لأنه صلى الله عليه وسلم بُعِثَ داعيًا إلى الله تعالى، وأُرسِل إلى النَّاس كافَّة ليدعوهم إلى الله عزَّ وجلَّ، قال الله تعالى) يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) ( [20] ) ، وقال سبحانه وتعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) ( [21] ) .

فيتبيَّن من ذلك أنَّ كُتُبه ورسائله التي وجَّهها إلى كسرى وقيصر والنَّجاشي وغيرهم، مخاطبًا إيَّاهم بقوله:"أدعوك بدعاية الله"، أو"أدعوك بدعاية الإسلام"كان المقصود منها هو دعوتهم إلى الله، وإلى دين الإسلام.

من كل ما سبق ذكره يتبيَّن أنَّ الدِّعاية في الإسلام تعني الدعوة إلى الإسلام، وأنَّ مفهوم الدعاية في الإسلام هو مفهوم يرتبط بالإيمان بالله. وهذا المعنى السامي للدعاية في الإسلام ـ وهو الدعوة ـ يُؤكِّده رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع، من خلال رسائله إلى الملوك والأمراء، داعيًا إيَّاهم إلى الإيمان بالله تعالى، مستخدمًا معهم هذا المصطلح ـ وهو الدعاية ـ للدلالة على الدعوة إلى الإسلام، وإلى التوحيد، وإلى الإيمان بالله تبارك وتعالى.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم داعيةً لهذا الدين، بحسبان أنَّ الداعية هو الذي يدعو إلى دينٍ أو فكرةٍ ( [22] ) . فالنبي صلى الله عليه وسلم كان داعيةً إلى دينٍ ونظامٍ ومنهجٍ ربانيٍّ، أرسله به الله إلى الناس كافة ( قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فأمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ) ( [23] ) ، ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ( [24] ) .

المبحث الثاني

العلاقة بين الدَّعوة والدِّعاية

كلمة"الدَّعوة"مشتقة من الفعل: دعا، يدعو، دعاء، ودعاوة، ودعاية، بمعنى: حَثَّ، وطَلَبَ، ونادى، ورغَّبَ. فدعاه إلى الأمر: يعني ساقه إليه، وحثَّه عليه ( [25] ) . ودعا الرجل دَعْوًَا ودعاءً: ناداه، والاسم: الدَّعوة ( [26] ) .

والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى دينه الذي بعث به رُسُلَه، وجدَّده على لسان خاتمهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .

وكلمة"الدعاية"مشتقة من نفس الفعل دعا، يدعو، دعاية، نحو: شكا، يشكو، شكاية ( [27] ) ، بمعنى: الاستمالة، والترغيب، والتحبيب، والحثّ، ونشر القيم والمبادئ ( [28] ) .

وقد تقدَّم أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم: (أدعوك بدعاية الإسلام) ، أي بدعوته ( [29] ) . وأنَّ كلمة"الدعاية"تعني: الدعوة إلى مذهبٍ أو رأيٍ بالكتابة أو بالخطابة ونحوهما ( [30] ) .

ويتَّضح مّما سبق أنَّ كلمة"الدعوة"، وكلمة"الدعاية"أصلهما اللُّغوي واحد، وأنَّ اشتقاقهما من الفعل"دعا".

أمَّا من حيث الاصطلاح، فقد ذهب بعض علماء الاتصال ( [31] ) إلى التفريق بينهما، وأنَّ كل مصطلح يدلُّ على معنى مغايرٍ لما يدلُّ عليه المصطلح الآخر.

وذهب فريق آخر من العلماء ( [32] ) إلى أنَّ اللفظيْن قد يدلان على شيءٍ واحد، وإنْ كان يُفضِّل هذا الفريق تسميتها بالدعوة بدل الدعاية، وذلك لما شاب الدعاية من سوء الاستخدام، والكذب، والتحريف، والتضليل، وغيرها من الشوائب التي تتصف بها الدعاية السوداء والرمادية.

آراء الفريق الأول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت