فهرس الكتاب

الصفحة 7321 من 27345

يرى هذا الفريق أنَّ هناك اختلافات بين الدعوة والدعاية، فالدعوة عندهم تقوم عادةً على شيءٍ جديدٍ كل الجدَّة كالدعوات الدينية، ودعوات الإصلاح الاجتماعي، أو الدعوة إلى فكرٍ سياسيٍّ، أو مذهبٍ اقتصاديٍّ جديد.

فالدعوة إلى نبذ القديم وسلوك الجديد دعوة وليست دعاية، فالدعاية هي لما هو قائم وماثل، والدعوة هي لشيءٍ جديد يخرج به صاحبه إلى الناس داعيًا إيَّاهم إليه، وقد تكون الدعوة لشيءٍ قائمٍ وماثلٍ فعلًا، ولكن البعض لا يعرفونه، كالدعوة إلى الإسلام بين جماعاتٍ لا تعرفه.

فالدعوة ترمي إلى تغيير مفهوم قديم بآخر جديد، وفي هذا تحرُّر من عامل الشك الذي يلتبس بالدعاية. فإذا كانت الدعاية عملية استهواء، فإنَّ الدعوة عملية إقناع، وإنْ كان الاستهواء يرمي إلى الإقناع أو يؤدي إلى الاقتناع.

والخيط الدقيق الذي يفصل بين الدعوة والدعاية، أنَّ الدعوة تلتزم بأفق ثابت لا يتغيَّر، الغاية فيها بيِّنة واضحة، تسفر عن نفسها في قوةٍ وجلاء، لا تلتوي ولا تتحيَّف، ولكن الدعاية وإنْ التزمت بالغاية فإنها تتخذ إلى غايتها مسارب شتى للاستهواء، لا تعنيها الحقيقة قدر ما تعنيها الغاية، فأي وسيلة للاستهواء هي المُثلى. وقد يلُفُّها الطمع والنفع، فالناس ينكرون ويؤيدون تبعًا لما يجُرُّه عليهم التأييد أو الإنكار من منفعةٍ أو مضرَّة ( [33] ) .

كما يرى هذا الفريق أنَّ الدعوة تعني في الغالب نشر فكرة معيَّنة بهدف إقناع الآخرين بها، مستخدمين في ذلك الحُجَّة والمنطق والتفكير العلمي السليم. وهذه الفكرة تكون غالبًا ذات مضمون ديني أو عقائدي أو سياسي معيَّن.

أمَّا الدعاية فهي في الغالب تُستخدم للترويج لوجهة نظر معيَّنة بغرض اكتساب الأنصار لها، وهي ليست إلاَّ تسلُّطًا على الأفراد بوصفهم أعضاء في مجتمع ابتغاء السيطرة على أفكارهم وأفعالهم، وتوجيهها وجهة معيَّنة. والدعاية لا تقول الحق دائمًا، ولا تجري على وتيرة واحدة، بل تتنوَّع، وقد تُؤثِّر بطريقةٍ لا شعورية ( [34] ) .

من الفروق كذلك بين الدعوة والدعاية عند هذا الفريق، أنَّ الدعاية تفرض حصارًا فكريًا لموضع الهجوم، بحيث تقود الفرد إلى شيءٍ ما كان يقبله لولا عملية الهجوم النفسي. وهي لا تفترض انتماءً عقديًا معيَّنًا، ولا تتجه إلاَّ إلى شخصٍ يقتنع أو على استعداد لأن يقتنع، كما أنها منطق مُفتَرض يعتمد على الحُجج الجزئية النوعية، وتبدأ من الاقتناع بالجزئيات، والتي من خلال الاقتناع بها، لا بُدَّ أنْ ينتهي الفرد إلى تقبُّل وُجهة نظر معيَّنة.

ولا يرتبط مُستقبِل الدعاية بمصدرها بأي رابطة تفرض عليه الاستماع أو التجاهل، وتعتمد على الإثارة لتحريك الجماهير لعمل لحظي ومباشر، تحت تأثير انفعال وقتي.

أمَّا الدعوة فإنها تتسم بالصدق، وتقوم على الصراحة، وتسعى إلى الحقيقة، كما أنها تفترض انتماءً عقديًا معيَّنًا، ولذلك لا تتجه إلاَّ إلى شخص يؤمن أو على استعداد لأن يؤمن، وتفرض تقبُّل الرسالة في كمالها وكلياتها، وابتداءً من هذا القبول ينبع الإيمان بالجزئيات. ويرتبط مُستقبِل الدعوة فيها بمصدرها بصلة روحية، كما أنها تستهدف من خلال التوعية والثقة نقل الجماهير في المدى البعيد من مرحلة في الفهم إلى مرحلة أكثر تقدُّمًا، ويقوم هذا الوعي على الفهم العميق، وعلى الحقيقة وحدها ( [35] ) .

آراء الفريق الثاني:

يرى هذا الفريق أنَّ كلا اللفظيْن يدُلُّ على معنى واحد، وأنَّ الدعوة والدعاية يأتيان بمعنى واحد وهو الدعوة إلى مذهب أو رأي بالكتابة أو الخطابة أو غيرهما. وكلاهما يدلُّ على التحبيب، والحثّ، والترغيب في الأمر المدعوِّ له. وإنْ كان هذا الفريق يُفضِّل تسمية الرسالة الإسلامية ومبادئها بالدعوة الإسلامية بدل الدعاية الإسلامية، لا لشيءٍ إلاَّ لأنَّ لفظ الدعاية أصبح يرتبط عند الكثيرين بالكذب، والتحريف، والتضليل، وذلك نتيجة للاستخدام السيئ للدعاية من قبل أعداء الإسلام، وتوجيهها لخدمة أغراضهم الخبيثة ومآربهم الباطلة.

يرى هذا الفريق أنَّ كلمة"الدعاية"يمكن أنْ تُطلق على الدعوة، وأنَّ مصطلح الدعاية قد يدُلُّ على الجهود التي تُبذل من أجل الدعوة إلى دينٍ أو عقيدة، وذلك لأنَّ كلمة"الدعاية"مشتقة من نفس الفعل، دعا يدعو، بمعنى: الاستمالة، والترغيب، والتحبيب، والحثّ، ونشر القيم والمبادئ ( [36] ) .

وقد تكرَّرت كلمة"الدعوة"في رسائل النبي صلى الله عليه وسلم ومكاتباته إلى الملوك والأمراء، في حملته الإعلامية الكبرى إلى العالم في السنة السادسة للهجرة، داعيًا إيَّاهم إلى الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت