وقد ظلت هذه الكلمة من الكلمات الطيِّبة، ولا زالت تحمل نفس المعاني السامية في المفهوم الإسلامي. كما أنَّ الدعوة إلى شيء هي الترغيب في هذا الشيء، أو بمعنى آخر: الدعاية له، ونحن لا نسيئ إلى الدين إذا قلنا إنَّ العمل الذي قام به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من أجل هذا الدين هو دعاية طيِّبة له، ما دامت الدعاية في ذاتها لها معنيان على الأقل: الدعاية الطيِّبة أو البيضاء، والدعاية الخبيثة أو السوداء ( [37] ) .
رأي الباحث:
يرى الباحث أنَّ الدعوة هي دعاية، ولكنها دعاية طيِّبة، وليست خبيثة. وأنَّ الدعوة إلى الإسلام هي دعاية طيِّبة للدين الإسلامي، ما دامت تلتزم بثوابت الدعوة الإسلامية، من: الصدق، والوضوح، والصراحة، ووضوح الغاية والهدف، ووضوح السبيل والمنهج.
وأمَّا الذين فرَّقوا بين الدعوة والدعاية، فيمكن أنْ نجمل ملخَّص انتقادهم للدعاية في الآتي:
[1] أنَّ الدعاية تُستخدم للترويج لوجهة نظر معيَّنة، وهي ليست إلاَّ تسلُّطًا على الأفراد، بوصفهم أعضاء في مجتمع للسيطرة على أفكارهم.
[2] وأنَّ الدعاية لا تقول الحق دائمًا، ولا تجري على وتيرةٍ واحدة، بل تتنوَّع.
[3] وأنَّ الدعاية لا تتردَّد في الكذب.
[4] وأنها تخلق شحنة انفعالية، وتفرض متابعة موضع التوجيه والهجوم النفسي بإصرارٍ واطراد، خوفًا من اكتشاف التلاعب.
إذا نظرنا إلى هذه النقاط السابقة، نجد أنها تنطبق على الدعاية الخبيثة أو السوداء، ولا تنطبق على الدعاية الطيِّبة أو البيضاء.
فاستخدام الترويج والتسلُّط، والكذب، وخلق الشحنة الانفعالية دون الاهتمام بمخاطبة المنطق الذاتي والعقل، هو كلُّه من سمات الدعاية الخبيثة، وليس من سمات الدعاية الطيِّبة، التي تقوم على الصدق، والصراحة، ووضوح الغاية والمصدر.
يتَّضح مما سبق أنَّ الدعوة هي نوع من أنواع الدعاية الطيِّبة التي تهدف إلى هداية الأفراد إلى دين الله تعالى عن طريق الصدق، والصراحة، والوضوح، والتزام الأساليب الشريفة في الدعوة.
فالذين فرَّقوا بين الدعوة والدعاية حصروا انتقادهم للدعاية في الدعاية الخبيثة، ولذلك فرَّقوا بينها وبين الدعوة. والذين مزجوا بين الدعوة والدعاية، قصدوا بذلك الدعاية الطيِّبة. فوضح أنَّ الطرفين يتحدَّثان عن جانبيْن مختلفيْن للموضوع.
فالخلاصة؛ أنَّ الدعوة هي دعاية طيِّبة للدين الإسلامي، بدليل استخدام النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المصطلح ـ دعاية الله أو دعاية الإسلام ـ في أكثر من رسالة من رسائله إلى الملوك والأمراء، داعيًا إيَّاهم للدخول في دين الإسلام.
وبذا يمكن الجمع بين آراء الفريقين والتوفيق بينهما، فالدعاية لا تنطبق على الدعوة إذا كانت من نوع الدعاية الخبيثة التي تستخدم الكذب، والترويج، والتسلُّط، وخلق الشحنة الانفعالية دون الاهتمام بمخاطبة العقل. بينما تنطبق الدعاية على الدعوة إذا كانت من نوع الدعاية الطيِّبة التي تستخدم الصدق، والصراحة، والوضوح، وتلتزم جانب الحق والعدل، وتسلك الطرق المستقيمة غير الملتوية، وتخاطب العقل بالحُجَّة والمنطق، والبرهان.
المبحث الثالث
مفهوم الدعاية المضادة للإسلام
الضِدُّ لغةً: هو كل شيءٍ ضادَّ شيئًا ليغلبه، فالسواد ضد البياض، والموت ضد الحياة، والليل ضد النهار، إذا جاء هذا ذهب ذاك.
وضد الشيء، وضديده، وضديدته: خلافه، والجمع أضداد، ويُقال: ضادَّك فلانٌ إذا خالفك، فأردت طولًا وأراد قصرًا، وأردت ظُلمة وأراد نورًا ( [38] ) .
فالدعاية المضادة لدعايةٍ مّا، هي الدعاية التي تضادُّ تلك الدعاية وتخالفها.
تنقسم الدعاية بصفةٍ عامَّةٍ إلى شقين رئيسيين: شق إيجابي، وشق سلبي.
فالشق الإيجابي هو أنْ يكون هدف رجل الدعاية إحداث تغيير في سلوك المدعوِّين، وهو تغيير ما كان ليحدث لولا الحملة الدعائية.
أمَّا الشق السلبي فهدفه الحيلولة دون وقوع تغييرٍ مّا متوقَّع الحدوث، ما لم تُوجَّه هذه الحملة الدعائية.
ومن أمثلة الدعاية السلبية:"الدعاية المضادة"، وتُستخدم هذه التسمية عندما يكون التغيير المتوقَّع، والمراد منع وقوعه هو نتيجة لدعاية إيجابية من مصادر أخرى، مثلما يحدث في الحروب، عندما يحاول العدوّ إضعاف الروح المعنوية بتوجيه حملات دعائية ضخمة. وفي مثل هذه الحالة تقوم حكومة الطرف الآخر بشنِّ وتوجيه حملات دعائية مضادَّة لإبطال مفعول الحملات المعادية، والإبقاء على ارتفاع الروح المعنوية ( [39] ) .
تُعرَّف"الدعاية المضادَّة"بأنها:"الجهود التي تُبذل لمواجهة الدعاية التحريضية، والرد عليها، وإحباط مفعولها. وتعتمد على تفنيد ما تأتي به تلك الدعاية، وتبيان مصادرها وتعريتها، والكشف عن أساليبها، وإقامة دعاية تواجهها" ( [40] ) .